أريد أن أقول إننا لا نجد لدى الفارابي علما للأخلاق بمفهوم إسلامي أو عربى موضوعا أو منهاجا .
أما التهانوى فلقد أشار إلى الأخلاق في مقدمة كتابه كشاف اصطلاحات الفنون حيث صنف فيها العلوم ، ولكنه كانت تعوزه النظرة الكلية في فهم موضوع الأخلاق ، إذ هو يفصل بين النظر والعمل في الأخلاق ، أما النظر فيفهمه فهما مشائيّا إذ الأخلاق أول أقسام الحكمة العملية حيث العلم بمصالح الشخص « 1 » ، وليس أدل على اقتفائه أثر أرسطو في ذلك أن جعل القسمين الآخرين للحكمة العملية هما نفس ما ذكره أرسطو : تدبير المنزل والسياسة المدنية ، أما الأخلاق العملية لديه فيضفى عليها معنى إسلاميّا إذ جعلها مرادفة للتصوف أو معرفة ما للنفس وما عليها من الوجدانيات ، وهي بذلك تقابل علم الكلام من حيث معرفة ما للنفس وما عليها من الاعتقادات ، فليس الجانب النظري للأخلاق متصلا بها ولكنه علم آخر لا صلة له - في نظره - بالأخلاق « 2 » ، وهكذا كانت تعوزه النظرة الكلية لفهم طبيعة علم الأخلاق وموضوعه وجانبيه النظري والعملي .
ويكاد يكون الاتجاه بين المؤرخين والدارسين والمحدثين أن ليس في الفكر الإسلامي مذاهب أخلاقية معللين ذلك باستغناء المسلمين بتعاليم القرآن والحديث عن النظر في المسائل الأخلاقية فلم يشعروا بالحاجة إلى النظر الفلسفي في مشكلات الأخلاق ، أما اتجاهات القرآن أو الحديث فتنأى عن النظر الفلسفي فضلا عن أن تكوّن مذهبا أخلاقيّا ذا نسق معين إذ لا تعدو طائفة لها قيمتها من المواعظ والحكم « 3 » ، ولم تأخذ الأخلاق في الإسلام حظها من البحث والدرس والكتابة العلمية إلا بعد الاتصال باليونان ، على أن جانب الأصالة والابتكار يعوزاها إذ كانت متأثرة بالأفلاطونية المحدثة ، فضلا عن أن
هامش
( 1 ) التهانوى : كشاف اصطلاحات الفنون ص 38 .
( 2 ) التهانوى : كشاف اصطلاحات الفنون ص 32 .
( 3 ) أحمد أمين : الأخلاق ص 157 .