تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
عملية أصلا ، أما الجدل حول « الخير في ذاته » فإنه قد يلقى قبولا ولكنه لا يناسب المنهج المتبع في العلم ، لأن علم الأخلاق يهدف إلى خير جزئي ويدرس كيفية تحقيقه ، فليس من شأنه أن يبحث في طبيعة الخير المطلق ، كما أنه ليس من شأن الطبيب أن يدرس الصحة بالمعنى المجرد ، ولكنه يدرس صحة الإنسان أو بالأحرى مريضا معينا يمارس فيه تجاربه في العلاج ، ويسترسل أرسطو في ذكر بعض أصحاب الحرف وخيرهم الجزئي ليبعد عن الأخلاق كل فكرة تتعلق بالمطلق أو « الشئ في ذاته » ، وليدلل على أن منهج الأخلاق عملي ومحدد - تماما كالخيرات الجزئية لأصحاب الحرف - إلا أن هذه - أي الأخلاق - تتعلق بالإنسان من حيث هو إنسان « 1 » . ومنذ أن استبعد أرسطو كل أساس ميتافيزيقى للفلسفة الأخلاقية ، أصبح ذلك النسق مسلّما به لدى معظم فلاسفة الأخلاق من بعده - حتى عصر كانط ، إنهم قد يختلفون معه في الغاية أو في وسيلة تحقيق الغاية أو في وصف طبيعة العلم الأخلاقي : معيارى أو وضعي أو في إدراك الخير : بالعقل أو بالحدس أو بالتجربة ولكنهم يلتقون معه في أن موضوع العلم : الخير الإنسانى المحدد ، لا المطلق ، وأن النسق اللازم له : استقراء الواقع والصعود منها إلى النظريات لا الصدور عن المبادئ أو الأصول ، تلك هي الخطوط العريضة للفلسفة الأخلاقية كما رسمها أرسطو . ولكن هل النسق الأرسطى يستنفد كل أغراض العلم الخلقي بحيث يتعذر قيام فلسفة أخلاقية أخرى على أسس ومبادئ مخالفة ؟ لست أظن ذلك لأنه كانت هناك أخلاق قبل أرسطو على نسق مختلف ، فسقراط - واضع أصول العلم - لم يفصل الأخلاق عن الدين - أو الميتافيزيقا - ، فالحياة الخلقية عنده تعتمد على أصلين : قوانين الدولة المكتوبة والقوانين الإلهية غير المكتوبة « 2 » ، ولا يجد سقراط أي تناقض بين هذه الأصول
هامش
( 1 )65 . P . dib I( 2 ) كولبه : المدخل إلى الفلسفة - ترجمة الدكتور عفيفي ص 310 .