ومن ثم فإنه قد يفعل ما يعرفه قبيحا لظنه الحاجة إليه ، فما الذي ينبغي عليه أن يفعله ؟
إن الموقف الخلقي يقتضى سعى الإنسان ودأبه لتحقيق ما علمه حسنا مرتفعا بذلك على عوارض الشهوة والمنفعة .
أما اللذات فليست غاية لأن اللذات قد تقبح لحصول ضرر يوفى عليها ولكونها مفسدة وقد تقبح لكونها غير مستحقة ، هذا إلى أن الفعل الحسن ليس دائما هو الملائم ولا القبيح هو المنافر من حيث قد تحسن الآلام والأضرار ، فلا يجوز أن تكون العلة التي لها لا يختار الواحد منا القبيح لما يلحقه من فعله من ضرر ، لأنه لو افترض استواء حالي الصدق والكذب في المنافع والمضار فإنه لا شك يؤثر الصدق هذا إلى أنه لو اعتقد أنه لا ضرر عليه في الكذب ولا نفع له وعلم قبحه فإنه لا يختاره .
بل ليس المؤثر في اختيار الحسن حصول النفع مع اقترانه بالحسن أو الانصراف عن القبيح لقبحه فضلا عن ضرره لأن الفاعل قد يفعل الفعل لحسنه دون أن يقترن بالنفع له ، إنه لو انفرد به عن النفع لوجب أن يختاره أيضا لأن كل فعلين تساويا في أمر يدعو إلى فعلهما ، ثم حصل في أحدهما أمر بأن دعاه إلى إيثاره عليه فذلك الأمر لو انفرد دعا إلى فعله أيضا ، يقول أبو علي الجبائي : وجدت الرجل في الشاهد قد يرشد الضال لحسنه ولنفع الغير أو دفع الضرر حسبة من غير أن يكون له فيه نفع ولا ضرر ، ذلك أنه قد عرض فعله من سائر الدواعي التي تدعو إلى الأفعال نحو أن يقتضى أن له ثوابا في ذلك أو عليه في تركه عقابا ، لأنه قد يفعله من لا يعلم ذلك ولا يؤمن بالمعاد فضلا عن أنه لا ينتظر ولا يرجو على الإرشاد شكورا ، إذ قد يفعل بمن لا يرجو أن يلقاه أبدا ، بل قد يفعله بمن لا يعرف موضع هذه النعمة حتى يشكره عليها نحو الأطفال
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 151
مساهمون: أحمد محمود صبحي
ص١٥١