تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
والمجانين ، ولا يتوقع إن لم يفعل ذلك ذمّا لأن أحدا لا يعرف حاله ، ثم إن ذلك قد لا يخطر له على بال ، ولا يقال إن في قلب المرشد رقة عليه فيغتم بضلاله عن الطريق وبما يلحقه من الضرر فيفعل الإرشاد لدفع الضرر عن نفسه ولأنه يسر بنفعه لأنه قد يفعل الإرشاد من لا يخطر على باله أيرق قلبه أم يغلظ ، أيسر لذلك أم يغتم « 1 » هكذا يستبعد المعتزلة مبدأى اللذة والمنفعة كغايتين للسلوك من حيث استحالة اقترانهما بما يقتضيه الموقف الأخلاقي من اتباع الحسن لذاته ، ومرة أخرى يكون للمعتزلة فضل السبق على كانط في التمييز بين الفعل الفاضل بمقتضى الواجب وبين الفعل الفاضل المطابق للواجب من حيث أن ليس المؤثر لاختيار الحسن حصول النفع مع اقترانه بالحسن وإنما يكون لاختيار خالصا من كل نفع أو شكر لكي يكون فاضلا
« إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً »
« 2 » . والحكم السطحي على الأديان أن المتدين يفعل الخير طلبا لثواب اللّه واجتنابا لعقابه ، ولكن المعتزلة يذهبون إلى غير ذلك ، فلا يجب أن يؤثر الإنسان الحسن طلبا للثواب أو يتجنب القبيح خوفا من العقاب لأن الفعل الحسن قد يجب على من لا يؤمن بهما وقد يفعله من لا يقر بالمعاد ، فالعلم بوجوب الإقدام على الحسن والإقلاع عن القبيح إنما يكون على كل عاقل من دهري وغيره « 3 » ، فضلا عن أن الثواب ليس وجه حسن الفعل بل هو مستحق به ومن ثم لا يحسن التعبد من أجل الثواب لأن الثواب يستحق لكون الفعل حسنا ، وإذا جاز ذلك في ثواب الآخرة وعقابها فإنه في ثواب الدنيا أولى ، ومن ثم فقد ذهب أبو هاشم الجبائي إلى أن تجنب المعصية خوف إقامة الحد لا يستحق بتجنبها الثواب لأنه يلزم المكلف ترك القبيح لقبحه لا لمخافة الحد « 4 » .
هامش
( 1 ) المغنى : ج 6 ( التعديل والتجوير ) ص 324 . ( 2 ) سورة الإنسان : آية 9 . ( 3 ) المغنى : جزء 6 ( التعديل والتجوير ) ص 227 . ( 4 ) المغنى : جزء 13 ( اللطف ) ص 44 - 47 .