منافع ومضار وما يتبعهما من سرور أو غم وما يلزم عنهما من لذات أو آلام وشهوة أو نفور « 1 » .
ولكن القاضي عبد الجبار لا يكتفى بما ذهب إليه سائر المعتزلة من أن الداعي إلى الفعل العلم والحاجة ولكنه يضيف شرط العلم بالحاجة ، فلا يكفى أن يكون المرء غنيّا عن الفعل وعالما بقبحه ولكن المؤثر في ذلك هو علمه واعتقاده بالغنى عنه ، إنه لو اعتقد الحاجة إلى فعل القبيح مع علمه بقبحه مع استغنائه عنه فإنه لا يمتنع عن فعله كأهل الهند الذين يستحسنون قتل أنفسهم لاعتقادهم أن ذلك يحسن وفيه نفع في الآجل ، فالداعى إلى الفعل هو ما عليه الفاعل من أحوال كالاعتقاد أو الظن بالحاجة إليه مع استغنائه في الحقيقة عنه « 2 » .
ومن نافلة القول أن المعتزلة أقرب إلى الحق من سقراط في شرح وتحليل طبيعة النفس البشرية والبواعث إلى الفعل .
فإذا كانت المعرفة وحدها لا تكفى لتدعو إلى الفعل من حيث حاجة الناس إلى ما ينتفع به فإن الأمر بالنسبة للّه يختلف ، إنه تعالى قادر على جنس جميع المقدورات ، فإنه تعالى قادر على فعل القبيح مخلى بينه وبينه ، إذ لا يصح أن يقال إنه لم يختره لأنه غير ممكن منه لمانع خارجي « 3 » ، واللّه تعالى عالم بقبح القبائح كلها علما مطلقا ، ثم إنه تعالى غنى عن فعلها من حيث إنه لا يدعوه إلى الفعل نفع أو ضرر عائد إليه وإنما تستحيل عليه الحاجة لمطلق كماله ولاستغنائه عن كل شئ ، ومن ثم فإنه تعالى لا يختار القبيح البتة « 4 » يقول الرازي في شرح رأى المعتزلة : اللّه عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنيّا عنه وكل من كان كذلك امتنع أن يكون فاعلا للقبيح ، وقضية المعتزلة مبنية على ثلاث مقدمات :
هامش
( 1 ) المغنى : جزء 4 ( اللّه لا تجوز عليه الحاجة ) .
( 2 ) المغنى : جزء 6 ( التعديل والتجوير ) ص 188 - 189 .
( 3 ) استدراك : قول النظام بعدم قدرة اللّه على فعل القبيح لا يعنى عجزه عنه .
( 4 ) المغنى : جزء 6 .