ومن ناحية أخرى فإن للمعتزلة تحليلا أدق لفكرة الدواعي والصوارف التي تجتمع إلى المعرفة فيؤديا معا إلى الفعل أو الانصراف عنه ، وقد أضافوا إلى المعرفة عامل الشعور بالحاجة إلى الفعل أو الغنى عنه ، ذلك أن الإنسان وإن لزمه النظر والمعرفة فإنه تجوز عليه الحاجة ، ومن ثم فإن الفاعل لو علم قبح الفعل ولكنه جهل غناه عنه لصح أن يفعله ومن ثم فيجب جعلهما جميعا علة لأن كل واحد منهما لو انفرد لم يحصل الفعل فإذا اجتمعا حصل .
إن الإنسان يجوز النفع والضرر عليه ومن ثم كان محتاجا ، فإن علم في شئ أنه ينتفع به فإن ذلك يدعوه إلى الفعل بعد علمه بخلوه من ضرر يوفى على النفع ، ذلك أن العالم بالفعل وأحواله لا يفعله إلا لحاجة أو داع ، لأن ما يوجب حصول الفعل هو قوة دواعيه ولو لم يكن للداعي يفعل الفعل لم تؤثر قوته هذا التأثير ، ولذلك عند تكافؤ الدواعي قد تكف عن كلا الفعلين ، ولذلك قوى اللّه تعالى دواعي المكلف إلى الفعل الحسن وإلى الفرائض والترغيب في الثواب والتخويف من العقاب ، وإذا كان بعض المكلفين لا يختارون الحسن مع علمهم به وقوة الدواعي من إيمانهم بثواب اللّه ، فذلك لأن هناك دواعي أخرى تعارضها من شهوة عاجلة إلى ما شاكلها ، ولكن حال انفراد الدواعي إلى الفعل الحسن مع العلم بحسنه فإنه يختاره لا محالة ، كذلك يجب أن لا يفعل الفعل إذا دعاه الداعي إلى أن لا يفعله وانفرد عن غيره من الدواعي المعارضة ، فإن من علم قبح القبيح وأنه مستغن عنه فإن داعيه إلى أن لا يفعله قد انفرد عن عارض فلا داعى له إلى الفعل على وجه « 1 » .
ولكن وجه حاجة الإنسان إلى الفعل ليست ملجئة إليه لأن أحكام الدواعي وما يتصل بها إنما تقف عند حد الاختيار .
ويفصل المعتزلة القول في معنى الغنى والاحتياج وما يتصل بهما من
هامش
( 1 ) المغنى : جزء 6 ( التعديل والتجوير ) ص 185 - 190 .