تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
ذلك منطق يتسق مع نظرية المعتزلة في وجوب الواجبات العقلية على الإنسان قبل ورود الشرع وبعثة الرسل من حيث إن هذه الواجبات تجب حينئذ لذاتها لا طلبا للثواب ولا خوفا من العقاب ، ومن ثم فإن السمع لا مدخل له في وجه الوجوب وإن قوى الدواعي إلى الفعل وناصر أدلة العقل . ولا يصح أن يكون ما له ولأجله يؤثر الحسن ولا يختار القبيح هو علمه بأنه يمدح أو يذم لأنه لو اعتقد أن لن يمدح البتة أو لن يذم مع علمه بقبح القبيح وبأنه غنى عنه فقد صح أنه يؤثر الحسن ، ولا يمنع هذا من استحقاقه المدح أو الذم غير أن هذا ليس المؤثر فيما يجب أن يختاره لأن الواحد منا ربما لا يحفل بالمدح والذم ولا يعتد بهما بل ربما لا يخطران له على بال ، ولو كان يفعل الحسن للمدح أو يتجنب القبيح للذم لوجب أن يؤثر القبيح على الحسن إذا كان هذا حاله ، وقد يكون الصدق مباحا لا يستحق المدح به وفي الكذب ما يكون صغيرا لا يستحق الذم عليه ، فكان يجب والحال هذه أن يتساويا عنده وأن لا يكون بأن يؤثر الكذب أولى من الصدق « 1 » . هكذا ينتقد المعتزلة الاتجاه الاجتماعي الذي يعلق الاختيار على رضا الجماعة وسخطها وقد لمسوا نقطة جوهرية حين أشاروا إلى ما يلزم عن ذلك من نسبية القيم حال تغير عادات المجتمع فيمدح ما كان يستحق الذم من حيث رضى المجتمع على ما كان يسخط عليه . ولكن هل يطلب المعتزلة من الإنسان في كل أفعاله أن يفعل الحسن لذاته وأن يتجنب القبيح لذاته ؟ أما القبائح فيجب عندهم أن تتجنب لذاتها ، ولكنه غير واجب على الإنسان أن يفعل كل حسن لذاته ، ذلك أنه لا يستغنى عن الحاجة ولا يقدر على الاستغناء عن كل وجوه النفع ، فإن أكثر أفعال الواحد منا إنما يفعلها لشئ يخصه ولو وجب على الإنسان أن تكون أفعاله كلها حسنة لحسنها لوجب أن يفعل كل ما يقدر عليه من
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى ج 6 ( التعديل والتجوير ) ص 217 .