تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
ومن ثم فإن المقدم على المعصية مع العلم بحالها أعظم جرما وأزيد عقوبة منه إذا أقدم عليها مع فقد العلم بها ، على أنه إذا كان المكلف متمكنا من المعرفة فإن فعل القبيح عن جهل لا يجعله أقل استحقاقا للعقوبة من عقاب المقدم على القبيح مع المعرفة ، ذلك أنه جمع إلى القبيح الجهل بقبحه فصار فاعلا لمعصيتين : إحداهما نفس القبيح والأخرى الجهل بقبحها « 1 » ، ومن ثم كانت المعرفة واجبة على المكلف من حيث إنها شرط أداء الفعل الحسن « 2 » ، وكما أنه لا يصح أن يقدم المسافر على قطع الطريق عن جهل حتى لا يضل ويتعرض للهلاك فكذلك حال المكلف يلزمه النظر والمعرفة . ولكن هل المعرفة هي الشرط الوحيد لأداء الفعل الحسن ؟ ذهب المعتزلة جميعا ما عدا الجاحظ إلى أن المعرفة وإن كانت من دواعي الفعل فإنها ليست ملجئة إليه ، ومن ثم فإن الجاحظ أوجب على الإنسان النظر دون المعرفة لأن المعارف تقع بالطبع إذا اجتمعت القدرة إليها ، فإن من يرى السبع ويعرفه مفترسا فإنه ملجأ إلى الهرب « 3 » . ورأى الجاحظ مماثل لرأى سقراط حين وحد بين العلم والفضيلة كما جعل الرذيلة لازمة عن الجهل « 4 » . غير أن المعتزلة يرون أن لو كانت المعرفة ملجئة إلى الفعل فإن هذا يفقد المكلف حرية الاختيار ، وأفعال المكلف في العادة لا تقع إلا من جهة القادر وعلى طريقة الاختيار من العقلاء « 5 » ، وإذا كانت المعرفة جملة تتم بداهة وضرورة وكانت هذه بدورها ملجئة إلى الفعل فكيف تتم النظر والتدبر ومن ثم كيف يستحق المدح أو الذم على الفعل ؟
هامش
( 1 ) المغنى : جزء 12 ( النظر والمعارف ) ص 314 . ( 2 ) ثمامة بن الأشرس : وحده بين المعتزلة الذي لا يجعل المعرفة واجبة على المكلف - انظر مقالات الإسلاميين ج 1 - ص 291 . ( 3 ) المغنى : ج 12 ( النظر والمعارف ) ص 316 - 317 . ( 4 ) الدكتور النشار : نشأة الفكر الفلسفي عند اليونان ص 246 . ( 5 ) المغنى : ج 12 ص 36 .