وليست أفعال المكلف كحال الهارب من الأسد فضلا عن أن هربه هذا يقع باختياره من حيث إنه يختار طريقا بين عدة طرق لو عرضت له « 1 » ، فالمكلف قد يعلم أن في ترك الصلاة عقابا وفي فعلها استحقاق الثواب وهو مع ذلك ليس مكرها إلى أن يفعلها وإنما قد تصرفه الصوارف عنها « 2 » .
ولا يرجع إيثار الحسن على القبح إلى الإرادة ، لأن الإرادة إنما تتبع المراد ، فما تدعو إليه الإرادة يدعو إليه المراد وما تصرف عنه الكراهة يصرف عنها المكروه ، فلا فصل بين أن يقال إنها تدعو إلى المراد أو أن المراد يدعو إليها « 3 » ، ويعنى المعتزلة بذلك أن المراد يرتبط بالإرادة ولا يلحقها فلا تقع الإرادة أولا ثم يقع المراد .
كذلك لا يقع إيثار الحسن على القبح إلى القدرة لأن القدرة تؤثر في إيجاد الفعل لا في اختياره فقد يفعل المكلف الفعل وقد لا يفعله مع وجود القدرة .
ويميز المعتزلة بين حال المكلف فيما يفعله وحاله فيما ينبغي أن يفعله ، وتلك تفرقة دقيقة لازمة في الفلسفة الخلقية التي تميز بين الواقعية والمعيارية أو بين ما هو كائن وما يجب أن يكون .
أما فيما يفعله المكلف في الواقع فإنه بعد المعرفة قد تدعوه الخواطر إلى الفعل ، خاطر الطاعة من اللّه وخاطر المعصية من الشيطان ، وإن كان فيما ينقله الخصوم عن النظام قوله : إن خاطري الطاعة والمعصية في قلب العاقل من اللّه ولكن اللّه دعاه بخاطر المعصية إلى المعصية لا ليفعلها ولكن ليتم له الاختيار بين الخاطرين « 4 » .
على أنه ليس فيما لدينا من مصادر ما يوضح فكرة الخواطر لدى المعتزلة فضلا عن أنها بدورها ليست هي المؤدية إلى الفعل وإن كانت من دواعيه التي لا تؤثر في حرية الاختيار .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ص 317 .
( 2 ) المرجع السابق ص 305 .
( 3 ) المغنى : ج 6 ( التعديل والتجوير ) ص 3 .
( 4 ) الخياط : الانتصار ص 36 - 37 والبغدادي : أصول الدين ص 37 .