والذين عارضوا أن يكون للإرادة مدخل في حسن الفعل أو قبحه ذهبوا إلى أن أحوال الفاعل غير مؤثرة في كون الفعل حسنا أو قبيحا ، فالضرر إن وقع من الساهي أو النائم أو الطفل أو المجنون قبيح وإن كانت أحوال الفاعل مؤثرة هنا في عدم استحقاق المدح أو الذم ، إنه لو حسن الفعل أو قبح للإرادة لوجب متى انتفت الإرادة أن لا يحسن أو يقبح ، أو لحسن ما كان قبيحا وقبح ما كان حسنا « 1 » ولو قبح الفعل بالإرادة لكان الفاعل إذا اضطر إلى فعل القبيح وأكره عليه ألا يكون الفعل في حد ذاته قبيحا « 2 » .
ولو حسن الفعل بالإرادة لحسن من الخوارج قتل المسلمين وأخذ أموالهم من حيث اعتقادهم أن ذلك ليس بظلم وأنه يحسن قتل مخالفيهم لأنهم على الكفر .
وهكذا استبعد القاضي عبد الجبار عامل الإرادة في حسن الفعل أو قبحه معتقدا أن ذلك قد يقضى على موضوعية الحكم الخلقي وتصبح الأحكام ذاتية تتفاوت حسب أحوال الفاعل وإرادته .
غير أنه لم ينكر عامل الإرادة تماما فإنه يسلم بأن الإرادة تؤثر على الفعل على بعض الوجوه كقبح الصدق لسوء النية أو الإرادة ، ومن ثم فإنه وجب النظر في الإرادة المصاحبة للفعل فإن قارن الفعل ما يوجب حسنه « 3 » ، فلا يحسن الفعل إلا إذا انتفت عنه جميع وجوه القبح ومنها الإرادة السيئة .
ومن ناحية أخرى فإنه يتابع شيخه أبا هاشم في أن هناك من الأفعال ما تؤثر فيها الإرادة كالأخبار والأوامر والشرعيات .
وإذا كان الخبر يقبح لو كان صدقا لقبح الإرادة فإن السجود يصير عبادة للّه بالإرادة وكذلك الأمر في الشرعيات جميعا من حيث لا بد فيها من
هامش
( 1 ) المغنى : جزء 6 ص 81 .
( 2 ) المغنى : جزء 13 ص 309 .
( 3 ) المغنى : ج 6 ص 38 .