تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
ولا تحسن الأفعال أو تقبح لعينها إذ أن الحسن أو القبح ليس « فصلا » للمحسنات أو القبائح من حيث إن هذه قد تختلف فيما بينها ، فالكلام قد يقبح لأنه عبث أو لأنه نهى عن حسن أو لأنه إباحة القبيح أو حظر الحسن أو إيجاب ما ليس بواجب أو ترغيب في قبيح أو تزيين له أو وعد بالثواب على ما لا يستحق به الثواب أو توعد بالعقاب على ، ما لا يستحق به العقاب أو أمر بما لا يطاق « 1 » ثم قد يحسن الكلام متى حصل على وجه يفيد النفع أو دفع ضرر ومتى انتفت عنه وجوب القبح كما يحسن الصدق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وهكذا القول في سائر الأفعال ؛ إنها إن حسنت أو قبحت لذاتها فليس الغرض لعينها أو بما هي كذلك وإلا لحسن كل صدق ولقبح كل كذب ولكنها تحسن أو تقبح لما يلزم عن ذاتها من صفات تتعلق بها ، فمتى كان الكذب لا نفع فيه أو يؤدى إلى ضرر أو لا يدفع ضررا فإنه يقبح ولكنه لا يقبح من حيث إنه مجرد إخبار عن أمر على خلاف ما هو عليه « 2 » . فالحسن والقبح صفتان ذاتيتان من حيث إنهما تتعلقان بما يلزم عن الأفعال تعلقا ضروريّا دون أن تكون جزءا من مفهوم الفعل اللازم عن تصوره ومن ثم أمكن أن يقبح الصدق أو أن يحسن الكذب ، ولولا ذلك لاستحال وجود عين الصدق حين يقبح وعين الكذب حين يحسن وفي ذلك تناقض . غير أن أبا على الجبائي استجاز القول بأن الجهل باللّه يقبح لعينه لأنه استحال عنده وجود هذا الجهل إلا قبيحا فأجراه مجرى صفات النفس بهذا المعنى فلذلك فارق حال الجهل باللّه حال سائر المقبحات . غير أن القاضي عبد الجبار عارضه في ذلك لأنه لو قبح الجهل باللّه لعينه لوجب في كل جهل باللّه أن يكون متماثلا لمشاركته في كونه قبيحا بعينه « 3 » .
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى جزء 6 ص 61 . ( 2 ) المرجع السابق ص 77 . ( 3 ) القاضي عبد الجبار : المغنى جزء 6 ص 79 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 142 | أحمد محمود صبحي