إلا وله أصل ضروري ، وأما أنها لم تعرف في الصورية اللازمة عن الاتجاه العقلي المحض فذلك لأنها قدرت خلاف الملابسات والأحوال ، وقد كان الموقف المعتزلي بذلك أقرب إلى رأى أرسطو في الفضيلة حين جعل الوسط العدل مرنا يراعى فيه « من ، وأين ، ومتى ، وكيف ، ولم » « 1 » من رأى كانط المترفع على الخبرة والطبيعة البشرية ، وباختصار لقد استطاع المعتزلة أن يوفقوا بين كلية القانون الخلقي وضرورته من ناحية ، وبين جزئية الوقائع وتغير الأحوال من ناحية أخرى .
على أن للمشكلة جانبا آخر لم يحل بعد ، كيف يكون الحسن صفة ذاتية للفعل الحسن وليس هو من مفهومه ولا يلزم عن تحليله ؟ فمفهوم الصدق أنه إخبار عن أمر على ما هو عليه فلا يدخل الحسن في حقيقته ولا يلزم بالبداهة عن تصوره ، ومن ثم كان اعتراض الشهرستاني أن الإنسان التام الفطرة ولكنه لم يتخلق بأخلاق قوم ولا تعلم من معلم لا بد أن يتوقف إن قيل له إن الكذب قبيح ولكنه لا يتوقف إن قيل له إن الاثنين أكثر من الواحد « 2 » .
كيف يكون الحسن صفة ذاتية للفعل الحسن مع أن تغير الظروف والأحوال قد تقضى أن يكون نفس الفعل قبيحا كأن يكون الصدق قبيحا دون أن ينطوى ذلك على تناقض ؟ كيف يكون الحسن والقبح ذاتيين للأفعال ثم تختلف الأحكام مع أن ما بالذات لا يزول ؟
إنه إذا كان الفعل قد يحسن مرة وقد يقبح مرة أخرى فإنه يستحيل أن يكون الحسن جنسا لكل الأفعال الحسنة ولا القبح جنسا لكل الأفعال القبيحة ، ولو حسن الفعل أو قبح لجنسه لوجب أن يقبح كل ضرر وألم ، ولكن نفس الضرر الذي يقع ظلما إن كان غير مستحق كان يصح أن يقع عدلا لو كان مستحقّا أو لو قارنه نفع يوفى عليه كالقتل قصاص .
هامش
( 1 ) يوسف كرم : تاريخ الفلسفة اليونانية ص 190 .
( 2 ) الشهرستاني : نهاية الإقدام ص 371 و 372 .