تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
وتقبيح ، ومن ثم فقد وجب أن يدل السمع على وجه كون الفعل لطفا أو مصلحة فإذا كان استغفار الابن لأبيه حسنا في العقول فإن إبراهيم قد نهى عن ذلك بعد أن تبين له أن أباه عدو للّه . على أنه لا يرد شرع بما هو مناقض تماما لما في العقول ، لأن الشرائع كلها مرتبة على العقل ودالة عليه فضلا عن أن التكليف يستوجب كماله ، ومن ثم تتغير الشرائع لأن العقل يدل على أن التكليف يتبع كون الفعل مصلحة وينسخ الأمر الشرعي ما دام استمراره يشتمل على مفسدة . غير أن العقليات بدورها ليست أحكاما مطلقة ، ذلك أنه ما من شئ من الأفعال يمكن أي يستمر على حال واحدة في جميع الوقائع والأحوال ، ومن ثم فقد يحسن كذب بعينه كما قد يقبح صدق بعينه ، فالمعتزلة مع قولهم بذاتية الحسن والقبح في الأفعال الخلقية لا يذهبون إلى أنها أحكام مطلقة ، إنهم يخالفون ما ذهب إليه كانط من صورية الأوامر الخلقية وعدم استنادها إلى شرط ، إن ما يستمر على حد واحد من الأفعال هو ما يتعلق بأفعال القلوب فحسب دون أفعال الجوارح ؛ فإن معرفة اللّه لا تكون إلا حسنة دائما وكذلك معرفة وجوب الواجبات العقلية وتوطين النفس على القيام بها على جهة الجملة دون تعيين أو تفصيل ، أما أفعال الجوارح فإنها قد تتغير جهاتها فتكون بمنزلة تغير الأفعال ذاتها . فقد يتغاير السبب فيكون فعلان متماثلان عن سببين متغايرين فيقتضى ذلك تغاير الفعلين لأن الدلالة قد دلت على استحالة وقوع مسبب واحد عن سببين ، فإن القتل ظلما لا يماثل القتل حدّا وقصاصا ، كما لا يتماثل إيلام الوالد لولده تأديبا مع إيلام زيد لعمرو دون استحقاق . وقد يتغاير الفعل لتغاير الوقتين فيحسن ما كان قبيحا أو يقبح ما كان حسنا ، ذلك أن الفعل يستحيل وجوده إلا في وقت مخصوص ، فالموجود إذا في الوقت الثاني المغاير للوقت الأول إذا تغايرت الظروف والملابسات يجب أن يكون