غير الموجود في الوقت الأول فالثناء على اللّه يجب مرة ولا يجب أخرى كما تحرم قراءة القرآن في حال دون حال .
وقد يتغاير الفعل بتغاير المحلين فيكون الفعل في المحل الأول غيره في المحل الثاني ، كذلك قد يختلف الفعل لتغاير القدرتين أو لتغاير القادرين ، فالسجود الذي يقع للّه ليس كالسجود الذي يقع للشيطان وإن تماثل في الشكل والصورة ، وحقوق العباد تجب فيها الرد والعطية ولكن ذلك لا يجب على المفلس في وقت ما ، وليست لذة الجماع في الزوجة وفي الزنا واحدة كما يذكر الباقلاني إلزاما لرأى المعتزلة « 1 » لأن صورة الحسن والقبح وإن كانت واحدة فإن الاستمتاع يحسن إن تقدم العقد على شرائط ولولا ذلك لقبح ، كما أن تقدم الإباحة من صاحب الطعام يقتضى أن يكون التناول حسنا ولولا تقدمه لقبح ، فكذلك البناء الواحد يصح أن يبنى على طريق التقوى وعلى طريق الضرار ولا يخرج البناء أن يكون بناء واحدا .
وهكذا فإن تقدير اختلاف المحل والوقت والعلة والقدرة والقادر يدل على تغاير الفعلين وتباين الحكمين واختلاف الصفتين . لأن الدلالة قد دلت على أن العين الواحدة من الأفعال لا يصح أن تختلف على أي وجه من الوجوه فإن اختلفت فمن حق المختلفين أن يكونا غيرين « 2 » والعقل وحده هو الذي يكشف عن وجوه الحسن والقبح في كل فعل معين ومن ثم ينبغي النظر والتأمل لاستنباط مواضع الحسن أو القبح في الأفعال .
هذه فلسفة عقلية التزمت فكرة الضرورة والكلية في الأحكام الخلقية ومع ذلك لم تسرف في الصورية الخالصة من كل مادة إسراف كانط في أمره المطلق ، ومن ثم لم تبعد عن خبرات الحياة ولم تقطع صلتها بالواقع ، أما إنها التزمت الضرورة والكلية فذلك لأن الأحكام الخلقية في الفلسفة المعتزلية أولية غير مستقاة من التجربة إذ لا شئ من المحسنات أو المقبحات
هامش
( 1 ) الباقلاني : الإنصاف ص 432 .
( 2 ) المغنى : جزء 16 الشرعيات ص 57 .