تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
لما تصور أن يرد شرع بتحسين شئ وآخر بتقبيحه ولما تصور نسخ الشرائع حتى يتبدل حظر بإباحة وحرام بحلال وتخير بوجوب ؛ ولما اختلفت الأحكام بالنسبة إلى الأوقات تحريما وتحليلا أليس الحكم في نكاح الأخت للأب والأم في شرع نبينا آدم عليه السّلام بخلاف الحكم في الجمع بين الأختين المتباعدتين في شرع نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، كيف حل ذلك على اتحاد اللحمة وحرم ذلك على تباعد اللحمة « 1 » ؟ ويرد المعتزلة على ذلك مفرقين بين أحكام خلقية تعرف بالعقل وبين تعاليم شرعية تلزم بالسمع أما العقليات فإنها لا تختلف في ذوى العقول لأن الوجه المقتضى لإيجابها لا يتخصص ولا الوجه المعارض المقتضى لسقوطها وانقطاعها ، فلا يرد شرع بكفر المنعم أو إباحة الظلم ، ومن ثم فإن العلم بها ضروري لا يجوز التشكك فيه ، أما الشرعيات فيجوز فيها الاختلاف لأنها مبنية على المصالح التي لا طريق لها في العقل وإنما يرجع إلى الدليل الصادر عن علام الغيوب فلا يمتنع لذلك أن تختلف حال المكلفين أو تختلف حال المكلف الواحد في وقتين ومن ثم يجوز ورود النسخ فيه « 2 » . وإذا كانت الواجبات العقلية تجب لذاتها فإن الواجبات الشرعية إنما تجب لكونها مصلحة ولطفا ولا يوجب الشرع حسن شئ ولا قبحه وإنما يكشف عن حال الفعل عن طريق الدلالة ومن ثم يقوى دليل الشرع أداة العقل ، من ذلك مثلا قوله تعالى :
« وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ »
« 3 » فنهى اللّه أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم أتبع الأمر بالإيفاء لحسنه في العقول وما في الإنقاص من ظلم قبيح « 4 » . على أن دلالة السمع لا تتفق تماما مع ما يستنبطه العقل من تحسين
هامش
( 1 ) الشهرستاني : نهاية الإقدام ص 39 . ( 2 ) المغنى : ج 6 ص 53 وج 13 ص 301 . ( 3 ) سورة هود : آية 85 . ( 4 ) الزمخشري : الكشاف ، ج 1 ص 451 .