الثالث : تعلق المدح والثواب أو الذم والعقاب وهذا هو محل النزاع فهو عندنا شرعي وعند المعتزلة عقلي « 1 » .
كذلك يخالف ابن تيمية الأشاعرة إذ يقول : إن العقل قد يعلم به حسن كثير من الأفعال وقبحها في حق اللّه تعالى وحق عباده وهذا مع أنه قول المعتزلة فهو قول الكرامية وجمهور الحنفية وقول أبى بكر الأزهري المالكي وأبى الحسن التميمي وأبى الخطاب الكلواذى من الحنابلة ، وذكر أبو خطاب أنه قول أكثر أهل العلم . . . وقد تنازع الأئمة في الأعيان قبل ورود السمع ، قالت الحنفية وكثير من الشافعية والحنابلة إنها على الإباحة ، وقالت طائفة إنها على الحظر مع أن خلقا يقولون إن القولين لا يصحان إلا على أن العقل يحسن ويقبح ، فمن قال إنه لا يعرف بالعقل حكم امتنع أن يصفها قبل الشرع بشئ كما قاله الأشعري وأبو الحسن الجرزي والصيرفي وابن عقيل « 2 » .
على أن هذا لا يعنى أن المعتزلة لم يصادفوا إشكالات خطيرة في موقفهم ، بل إن القول بالحسن والقبح العقليين يلاقى اعتراضات فلسفية ودينية معا ، ذلك أنه إذا كانت الأفعال الخلقية تحسن أو تقبح لذاتها فذلك يعنى أن الأحكام الخلقية مطلقة ، كيف وقد يحسن القتل أحيانا كما في القصاص ؛ كما قد يقبح الصدق إذا كان مؤديا بالضرورة إلى ضرر يوفى على النفع ؟
ذلك هو الجانب الفلسفي من المشكلة وقد كان أهم ما وجه من انتقاد إلى صورية الأحكام الخلقية عند كانط .
أما الجانب الديني فإن المعتزلة كسائر المسلمين يسلمون بنسخ الشرائع وذلك يعنى إمكان تغيير الأحكام ونسبية القيم ، وقد عبر الشهرستاني عن ذلك بقوله : لو كان الحسن والقبح والحلال والحرام والوجوب والندب والإباحة والحظر والكراهة والطهارة والنجاسة راجعة إلى صفات ذاتية للأعيان أو الأفعال
هامش
( 1 ) الإيجي : المواقف ص 320 .
( 2 ) ابن تيمية وتلخيص الحافظ الذهبي : المنتقى من منهاج الاعتدال ص 46 .