ولا يقال إن الأوامر تحسن بصدورها من إله مالك من غير تخصيص لأنها لو كانت كذلك لقبحت الأفعال حين تصدر من عبد مملوك دون تخصيص .
ولو حسنت الأفعال لأحوال فاعلها لوجب إن كان فاعلها متصفا بالصلاح أن تحسن أفعاله كلها كذلك لو قبحت لأمر يرجع إلى الفاعل لوجب أن يقبح كل ما يصدر عن الظالمين من فعله « 1 » .
على أن هذه الانتقادات كلها على وجاهتها لا تؤثر في موقف الأشاعرة من حيث إنهم لا يتصورون أصلا ، كيف يمكن أن تكون الأوامر الإلهية تابعة لقيم أخرى صادرة عنها كما لو كان في ذلك انتقاص من قدسيتها ، على أن النقد التالي يعد أخطرها جميعا لتعلقه بصميم التشريع الديني .
لو رفعنا الحسن والقبح من الأفعال الإنسانية ورددناها إلى التعاليم الشرعية بطل استنباط المعاني العقلية التي نستنبطها من الأصول الشرعية فلا يمكن أن يقاس فعل على فعل أو قول على قول فلا يمكن أن يقال « لم » و « لأنه » إذ لا تعليل للذوات ولا صفات للأفعال التي هي عليها حتى يربط بها حكم مختلف فيه ويقاس عليها أمر متنازع فيه وذلك رفع للشرائع بالكلية من حيث إثباتها ورد الأحكام الدينية من حيث قبولها « 2 » .
هذا رأى مفحم للخصم من حيث إنه يزلزل الأرض تحت قدميه ومن ثم فإن كثيرا من أشياع الأشاعرة قد خالفوهم فتابع صاحب المواقف المعتزلة في أكثر قولهم إذ يقول : يقال الحسن والقبح لمعان ثلاثة :
الأول : صفة الكمال والنقص ، يقال العلم حسن والجهل قبيح ولا نزاع أن مدركه العقل ( مع أن الأشاعرة يخالفون في ذلك ) .
الثاني : ملاءمة الغرض ومنافرته وقد يعبر عنهما بالمصلحة والمفسدة وذلك أيضا عقلي .
هامش
( 1 ) المغنى جزء 6 ص 115 - 122 .
( 2 ) الشهرستاني : نهاية الإقدام ص 374 .