ولو كانت الأفعال تحسن أو تقبح للأمر أو للنهي لكان يجب أن يكون الدهري وسائر من يعتقد قدم الأجسام إذا لم يستدل على حدوثها وإثبات محدثها أن لا يعلم حسن شئ من الأشياء ولا قبحه من حيث لا يعلم الأمر والآمر والنهى والناهى ، ولو جوزنا ذلك فيهم لأنكرنا عليهم معرفة سائر الضروريات ، كيف وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يعلمون حسن شكر المنعم وقبح الظلم ، ولو أنكرنا عليهم معرفة ذلك لوجب كونهم غير عالمين بشئ ألبته ، ولا يقال إنهم يستقبحون الفعل القبيح بشبهة وظن كاستحسان أهل الهند قتل أنفسهم والخوارج قتل من خالفهم لأنه لو صح ذلك لصح القول بأن من عرف النهى إنما يعرف الأشياء على هذا الوجه وفي هذا نفى الاستقباح على الحقيقة ، ولا فرق بين هذا القول وبين من جعل معرفة كل شئ يعرفه العقلاء عن شبهة وظن « 1 » .
ولو كانت الأفعال بالأمر والنهى تحسن وتقبح لوجب أن تحسن أفعال الطفل والساهي والنائم لانتفاء النهى عن ذلك ولو حسنت أفعالهم لما جاز لنا أن نمنعهم عنها مع اشتمالها على الضرر .
ولو كان الفعل يحسن أو يقبح للأمر أو للنهي لما صح أن يعرف الأصم الأبكم حسنا أو قبحا لفقد علمه بالأمر والنهى فلا يفصل بين الإحسان والإساءة ، ولا حسن مدح المحسن وذم المسىء ولا حسن شكر المنعم « 2 » وكيف يقال لو أمرنا تعالى بالكذب لكان حسنا ولو نهانا عن الصدق لصار قبيحا ولو عذب المطيعين والملائكة والأنبياء في النار مخلدين لكان ذلك له ولكان عدلا وحقّا ، ولو نعم إبليس والكفار في الجنة مخلدين كان ذلك له وكان حقّا وعدلا منه « 3 » ، لو جاز ذلك منه تعالى فكيف يقال في أفعاله إنها صواب وحق وحكمة وكيف يكون اللّه حكيما وهو يجوزون القبائح عليه .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ص 124 ج 6 .
( 2 ) المرجع السابق ص 87 .
( 3 ) أجاز الأشاعرة وقوع ذلك : الأشعري ، اللمع : ص 52 وكذلك أهل الظاهر ابن حزم :
الفصل . . . جزء 3 ص 105 .