وجهة القبح جهة صرف وتكون علة الترجيح علمه بأن هذا حسن وذاك قبيح « 1 » .
والمدح لازم عن الحسن وليس علة له كما أن الذم مستحق على القبح وليس باعثا إليه ، فالحكم بأن الفعل يستحق صاحبه عليه المدح أو الذم إنما يصح فيه لكونه حسنا أو قبيحا ، وقد يحسن الفعل أو يقبح ولا يستحق عليه مدح أو ذم إذا لم يكن الفاعل قاصدا إليه أو يمكنه التحرز منه فإذا لكم النائم في حال نومه رجلا فذلك قبيح غير أنه لا يستحق عليه الذم . « 2 » ومعلوم أن الأشاعرة قد عارضوا وهاجموا بعنف رأى المعتزلة في الحسن والقبح العقليين ، ووجهة نظرهم في أن الحسن هو ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع وأن سبيل العلم بالحسن والقبح هو الشرع فالفعل يحسن لأن اللّه أمر به ويقبح لأن اللّه نهى عنه وذلك ما لا يوافق عليه المعتزلة .
إن الأفعال لا يمكن أن تحسن أو تقبح للأمر أو النهى لأنها لا تعلق لها بالفاعل أصلا ، إن أمره تعالى يدل على أن ما أمر به صلاح ، ونهيه يدل على أن ما نهى عنه فساد ، فالأمر والنهى دلالتان على حال الفعلين لا أنهما يوجبان حسن أحدهما وقبح الآخر ، والدليل يدل على أن الشئ على ما هو به لا أنه يصير على ما هو به بالدلالة ، وكما أن الخبر يدل على أن المخبر عنه قد حدث لا أنه قد حدث للخبر ، وكما أن العلم يدل على أن المعلوم واقع لا أنه وقع بالعلم ، فكذلك الأمر والنهى إنما يدلان على الحسن والقبح وليس أن الحسن والقبح متعلقان بهما ، إن الأمر الصادر عنه تعالى يجرى مجرى قوله إن هذا الفعل واجب لأنه حسن كما أن نهيه ينبئ عن مثل قوله لا تفعل لأنه قبيح « 3 » .
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار وشرح أبى هاشم : شرح الأصول الخمسة ص 303 .
والرازي : الأربعين في أصول الدين ص 252 .
( 2 ) المغنى : جزء 6 ص 32 و 56 .
( 3 ) المغنى : جزء 6 ص 122 .