بأن الأمرين سيان بالنسبة إلى عقله خرج عن قضايا العقول وعاند عناد الفضول « 1 » وكيف يعلم قبح الظلم بداهة والخوارج يستحسنون قتل من خالفهم وأخذ أموالهم كما تستحسن طائفة من أهل الهند قتل أنفسهم .
ويرد المعتزلة أن الخوارج يستحسنون قتل من خالفهم من حيث اعتقدوه مستحقّا ، ولو علموا من حاله أنه ظلم لعلموه قبيحا ، كذلك أهل الهند يقتلون أنفسهم بشبهة أو ظن ، إن العلم بأن الظلم قبيح إنما يحصل باضطرار على الجملة من غير تعين كونه قبيحا من فعل مخصوص ، فلا يمتنع حصول العلم الضروري بقبحه من جهته على الجملة وإن احتيج في تفصيل ذلك إلى تأمل ونظر فلا شئ من الأفعال حسنا كان أو قبيحا إلا وله أصل ضروري غير أن تفصيل ذلك يحتاج إلى استدلال كأن يعلم المستدل وجوه الحسن أو القبح وحصولها أو انتفائها في بعض المواضع وما يخالطه في ذلك من شبهة أو ظن يقوم مقام العلم ، كل ذلك مما يجوز معه اختلاف العقلاء في حالة بعينها ، بل إن قدرة العقلاء على إصدار الأحكام تتفاوت فمنهم من تكفى معه المعرفة المتقدمة بالعادات وما شاكلها ومنهم من يحتاج إلى كشف وتأمل شديد للشبهة الداخلية في الفعل وغموض الحال « 2 » .
ومعرفة ما عليه الأفعال من حسن أو قبح شرط العمل ومن ثم فإنها تسبقه ، إنه إذا علم الإنسان حسن الفعل أو قبحه كان ذلك جهة دعاء إلى الفعل أو صرف عنه ما لم تعارضه الصوارف والدواعي كالحاجات والشهوات ، إننا إذا قلنا لإنسان كامل العقل إن صدقت أعطيناك دينارا وإن كذبت أعطيناك دينارا وفرضنا حصول الاستواء بين الصدق والكذب في جميع منافع الدنيا والآخرة وفي جميع مضارهما من المدح والذم والثواب والعقاب وسهولة التلفظ بتلك اللفظة وصعوبته فإن في هذه الصورة نعلم بالضرورة أنه يرجح الصدق على الكذب وذلك يدل على أن جهة الحسن جهة دعاء
هامش
( 1 ) الشهرستاني : نهاية الإقدام ص 371 .
( 2 ) المغنى جزء 6 ص 22 .