ومن الملاحظ أن جل اهتمام المعتزلة في المعرفة إنما ينصب على المعرفة المتصلة بالسلوك أو الأخلاق كما أن اهتمامهم بالعقل إنما يتركز في الجانب العملي منه ، ومن ثم فإنهم يوجبون على الإنسان النظر المؤدى إلى معرفة يتحرز بها عن ضرر يلحقه ، أما المعرفة النظرية فإنها لا تجب على الإنسان من حيث هو مكلف ومن ثم لا تجب على الناس جميعا ، واللّه لم يرد منهم ذلك إنما أراد من الإنسان النظر والمعرفة بمقتضى كونه مكلفا ومن حيث كانت لطفا تقربه من الفضائل والطاعات وتبعده عن الرذائل والمعاصي ، ومن ثم فإن من لزمه النظر فلم ينظر ولم يستدل ومن ثم لم يتمكن من القيام بالواجب فقد استحق العقاب « 1 » ، ومن ثم أيضا فإن الصبى لم يكلف لأنه فقد العلم الذي وجوده شرط في التكليف « 2 » .
ولن يتسنى للإنسان هذه المعرفة بالتقليد دون النظر لأن التقليد لا يؤدى إلا إلى الظن ، أما النظر فيؤدى إلى اليقين الذي عنده تسكن النفس ويطمئن القلب ، ولا يعقل أن الإنسان قبل النظر يكون علمه كما هو بعد النظر وحصول المعرفة « 3 » ،
« قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ »
« 4 » .
وإذا كان العقل الإنسانى قادرا على معرفة اللّه وعلى التمييز بين الخير والشر فإن مسؤولية الإنسان قائمة قبل النبوات وإرسال الرسل بمقتضى شريعة العقل الذي تتساوى فطرته لدى الناس جميعا في إدراك الحقائق الأساسية جملة « 5 » ولكن هل المعرفة ملجئة إلى العمل بالضرورة ؟ كان
هامش
( 1 ) المغنى : جزء 12 ص 308 .
( 2 ) المرجع السابق ص 295 .
( 3 ) المرجع السابق ص 256 .
( 4 ) سورة الزمر : آية 9 .
( 5 ) يذهب الدكتور أبو ريدة في كتابه النظام ص 167 إلى أن هذه الفكرة غريبة عن روح الإسلام وتناقض قوله تعالى :« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »( الإسراء آية 15 ) والواقع أن لا غرابة ولا تناقض لأنه في رأى المعتزلة هذا يختص بالعذاب عما توجبه الشرائع المنزلة ، أما شريعة العقل فهي واجبة دائما بدليل قول الرسول عن امرئ القيس « إنه يحمل لواء الشعراء إلى جهنم يوم القيامة » -