تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
أما أن معرفة اللّه أول الواجبات فذلك لأنه بذلك يكون المكلّف أقرب إلى معرفة الطاعات والمعاصي وإلى معرفة الثواب والعقاب ، إنه أن نظر فعرف التوحيد والعدل وعرف أنه مستحق الذم والعقاب على المعاصي ومستحق المدح والثواب على الطاعات وأنه يستحقهما من قبله تعالى كان عند ذلك أقرب إلى اختيار الطاعة واجتناب المعصية ، وإذا كان اللّه خالق الإنسان قد ألزمه التكاليف التي هي الغاية من الحياة فإنه لن يتسنى للإنسان أداء التكاليف دون معرفة اللّه ومن ثم كانت معرفة اللّه أول الواجبات الخلقية على الإنسان من حيث هو مكلف . تلك هي نقطة التقاء الميتافيزيقا بالأخلاق في فلسفة المعتزلة ، ولكن ما ذا يجب على الإنسان المكلف أن يعرف من اللّه ؟ إنه تجب عليه معرفة توحيده من حيث أن ليس كمثله شئ ثم عدله بمقتضى المفهوم المعتزلي للعدل وهو مفهوم أخلاقي كما سبقت الإشارة ، إنه باختصار أن يعرف المكلف أن الغاية من الخلق التكليف بقصد التعريض للثواب والمنازل العالية وأن ذلك بمقتضى عدل اللّه ، وأن اللّه يريد خير الإنسان بمقتضى لطفه بل سخر الوجود والكائنات إلى غايات محمودة بمقتضى حكمته ، فإن عرف المكلف ذلك فقد عرف ضرورة وجوب شكر المنعم كأول واجب أخلاقي ، ولو كان الإنسان غير متمكن من معرفة اللّه بالنظر العقلي ضرورة لكان غير مكلف بشئ من العقليات ، فإن فقد العلم يعد عذرا إذا كان المرء غير متمكن من أن يعلم كمنزلة المجنون والصبى ، إن اللّه قد جعل المعرفة لطفا بالإنسان المكلف ومن ثم كان النظر المؤدى إلى المعرفة واجبا على الإنسان فليس من شر أقبح من الجهل . هكذا يصل المعتزلة بين معرفة اللّه وبين واجب الإنسان ككائن عاقل أخلاقي ، فلا قيام للأخلاق دون معرفة اللّه ومن ثم يتعذر كل فصل بين الأخلاق وبين أساسها الميتافيزيقى ، ومن ناحية أخرى ليست بين فرق