تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
وإذا كان استحقاق الثواب غاية التكليف فإنه ليس وجه وجوب الفعل ، لأن الواجب لا يكون واجبا بإيجاب موجب وإنما يختص بذلك لصفة له لا بد أن يعرفها المكلف ، تستوى في ذلك الواجبات العقلية والشرعية ، أما العقلية فتجب لصفات تخصها يكشف عنها العقل ، وأما الشرعية فإنها وإن وجبت للأمر فذلك لكونها لطفا ومصلحة من حيث إن إرادة العدل الحكيم تقتضى ذلك ، وفي ذلك يجب على الحكيم أن يكشف وجه اللطف والمصلحة في الأمر كما يجب على المكلف العاقل أن يتبين ذلك ويستنبطه لأن المعتبر في وجوب العقليات والشرعيات أن يعلم العاقل ما عليهما من الصفات ومن ثم فعليه أن يفحص وينظر قبل أن يقدم على الفعل وإلا فهو مقدم على قبيح يستحق الذم عليه « 1 » . ومعرفة الواجبات العقلية أو بالأحرى الخلقية على جهة الجملة تتم هي الأخرى كمعرفة اللّه بالنظر العقلي في غير اضطرار ، ولا يلزم الإنسان من حيث هو مكلف أن يعرف تفصيل الواجبات كأحوالها وأجناسها لأن ذلك إنما يختص به أهل الكلام دون غيرهم وإنما يجب على المكلف أن يعرف بالنظر العقلي حسن الواجبات وقبح المحظورات لما تختص به كل من صفات كمعرفة حسن شكر المنعم ووجوبه وقبح الظلم وكراهته ، ولا يقدح في ثبات علم الواجبات العقلية جملة اختلاف الناس وتنازعهم إذ لا خلاف في أن رد الوديعة واجب ولكن الخلاف في أن هذا الشئ بعينه وديعة ومن ثم يجب ردها ، ولذلك صح مع كمال عقول الخوارج أن يشتبه عليهم الحال في قتال من خالفهم لاعتقادهم أنه عدل ومن ثم فهو مستحق وإن كان في الحقيقة ظلم « 2 » . وهكذا يضع المعتزلة المعرفة المؤدية إلى التفرقة بين الخير والشر أو بين الأفعال الحسنة والأفعال القبيحة في المحل التالي بعد وجوب معرفة اللّه ،
هامش
( 1 ) المغنى : جزء 12 ص 360 . ( 2 ) المرجع السابق : ص 356 .