الإسلام جميعا فرقة قدرت العلم وسمت بالعقل « * » كما فعل « * » المعتزلة « 1 » ، فكانت بحق خير من عبر عن روح الإسلام الذي نزلت أول آية فيه تطالب الإنسان بالمعرفة
« اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . . .
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
« 2 » .
وإذا كانت معرفة اللّه على جهة الجملة التي تتم ضرورة بمجرد النظر العقلي هي أول واجبات الإنسان المكلف ، فإن الإنسان من حيث هو مكلف تلزمه بعد ذلك معرفة الواجبات كشرط ضروري لأدائها ، إن اللّه الذي أوجب الواجبات على الإنسان وجعل العقل له لطفا قد نصب في العقل الدلالة على جهة الوجوب ومكن المكلف من معرفة ذلك ، إذ لا بد فيمن تلزمه طاعة الأمر أن يعرف ما يلزمه وما اختص به من صفاته حتى يتمكن من أداء ما لزمه على الحد الذي لزمه ، ولا بد أن يعرف سبب وجوب الواجبات وأن يفصل بينهما وبين غيرها حتى يكون أداءه لها على الوجه الذي يصح منه الأداء ، والمعرفة يجب أن تسبق العمل لأنها سبب التكليف ، إنه إذا تدبر وعرف فإن ذلك يدعوه إلى فعل الواجب ، أما إن فقد معرفة الواجبات فإن ذلك يسقط التكليف لأنه يكون بمنزلة إيجاب ما لا يقدر عليه ومن ثم فإن الصبى والمجنون غير مكلفين لأنهما لا يعرفان حقيقة الواجبات على النحو الذي تجب ، ولا فرق في سقوط التكليف بين فقد العلم فيما يحتاج في فعله إلى العلم وبين فقد القدرة « 3 » لأن المكلف يحتاج مع القدرة لأداء الفعل إلى الأدلة ، فكما يقبح التكليف مع فقدان القدرة فكذلك إيجاب الفعل من غير بيان وجه وجوبه بالتعريف وبنصب الأدلة إنما يقبح في عقول العقلاء .
هامش
( * ) في بيان منزلة العقل ومصدر للمعارف وكمعيار للحقيقة لدى المعتزلة : جولدتسيهر مذاهب التفسير الإسلامي ص 158 - 159 والعقيدة والشريعة ص 90 - 91 .
( 1 ) المغنى جزء 12 ص 463 .
( 2 ) سورة العلق : 1 ، 2 .
( 3 ) المغنى ج 12 ص 360 .