تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وليس الحال كذلك في العلوم النظرية من حيث لا يسأل إن جهل غوامض المسائل في الطبيعيات والرياضيات وعلوم اللغة أو إن أخطأ فيها ، كان التفكر والتثبت في الإلهيات والأخلاقيات ألزم وأوجب « 1 » وبعد تخلية العقول من الاعتقادات الفاسدة المبنية على الظن فإن أول ما يجب على العاقل المكلف النظر المؤدى إلى معرفة اللّه « 2 » ، بل لا يجوز أن يبلغ أحد حتى يعرف اللّه « 3 » إنه إن نظر علم أن له خالقا خلقه ومدبرا دبره ، وعلم استحقاق الثواب من جهته على فعل الواجب والعقاب على فعل القبيح ومن ثم كان أقرب إلى اختيار الطاعة واجتناب المعصية ، والتيقن من وجود اللّه ووحدانيته ومعرفة عدله وحكمته إنما تجب على المكلفين عقلا لا سمعا لأنه ما لم يعرف اللّه تعالى بتوحيده وعدله فكيف يعرف ذلك بالسمع وكيف يستدل بالفرع على ثبوت الأصل « 4 » ، والعلم المؤدى إلى معرفة اللّه ضروري إذ أنه العلم الأول الذي لا يتعلق بالأمور المفصّلة ، ولا تختلف العقول في ذلك لأن معرفة اللّه على جهة الجملة من كمال العقل الذي لا يجوز أن تدخله شبهة البتة على وجه من الوجوه ، ولا يقدح في ذلك جحود عدد كبير من الملحدين والمشركين باللّه مع عدم جواز التواطؤ أو الاتفاق على الكذب والكتمان ، لأن معرفة اللّه ليست مبتدأة في العقول من قبل اللّه بالاضطرار والإلهام لأنها لو كانت كذلك لما حصل الجحود والإلحاد ، وإنما يصل العقل بالضرورة إلى معرفة اللّه وتوحيده وعدله بمجرد النظر العقلي ولكن لا يمتنع على بعض المكلفين إيثار الراحة والدعة والفزع من النظر أو أن يدخل على نفوسهم السهو والغفلة فيكون منهم الشرك والجحود من ثم يلزم المكلف النظر حالا بعد حال للتذكر والتبين والتحرز من الغفلة والجهالة المؤديتين إلى إنكار وحدانية اللّه وعدله « 5 » .
هامش
( 1 ) المغنى جزء 12 - النظر والمعارف ص 319 . ( 2 ) المرجع السابق : ص 376 وشرح الأصول الخمسة ص 39 . ( 3 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ص 160 . ( 4 ) المغنى : جزء 12 - ص 506 . ( 5 ) المرجع السابق ص 379 .