التفكر من معرفة تمكنه من أداء الواجبات عقلية وشرعية ويكون عندها أقرب إلى الفضائل والطاعات وأبعد عن الرذائل والمعاصي ، فالعلم بأن الطعام اللذيذ مسموم صارف له عن تناوله ، ولن يتسنى للمكلف أداء ما افترض عليه إلا بعلم توصل إليه بالنظر .
تلك نقطة يفترق عندها رأى المعتزلة عن رأى ديكارت بعد أن اتفقا على أن الشك أول خطوات المعرفة ، فلا يوجب المعتزلة على الناس جميعا من حيث هم مكلفون إلا التثبت بموجب شك في علم متعلق بالعمل والسلوك فضلا عن الاعتقاد بينما نحى ديكارت الأخلاق عن مجال الشك ليصبح شكه في المسائل النظرية فحسب ، ويكون للمعتزلة بعد ذلك فضل السبق في بيان قيمة الشك المنهجي المؤدى إلى اليقين ، وإن اتهم ديكارت في منهجيه شكه فلا مجال لاتهام المعتزلة لأنهم يرون الشك ضرورة لتصحيح الاعتقاد وللتثبت من الآراء والأخبار ولإمكان العمل .
ولا يقال إن الشك لا يلزم العامة والأعراب ومن اختص بالجهل والغباء من حيث إنهم لا يدركون الأدلة التي تحصل بالنظر إلى صحيح الاعتقاد ، لأن ذلك يوجب كونهم مكلفين لما لا يطيقون وإن صح منهم أن يتبعوا العلماء تقليدا في الشرعيات فذلك غير جائز في العقليات وأصول الدين ، إذ لا يحسن من المكلف أن يقدم على الاعتقاد تابعا لغيره إلا بعد التوقف والنظر في الأدلة كما يحسن منا في الخبر أن نتثبت من صدق المخبر ومن حقيقة الخبر ، ولن يعذر المكلف إن عوّل على التقليد دون النظر ، وقد يتفاوت المكلفون حسب عقولهم بالنظر في تفصيلات المسائل ويتعذر عليهم إدراك غوامض الكلام ولكن كل من كان مكلفا فإنما يلزمه النظر جملة « 1 » .
ولما كان المكلف يلزمه التكليف دائما ولا ينفك ذلك عنه بحال ،
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار ، وشرح أبى هاشم : شرح الأصول الخمسة ص 39 .