تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
« إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ » *
« 1 »
« وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا »
« 2 » . وليس الشك إثما ولا قبحا ، وإنما يقبح الشك لو ظل المكلف على حاله من الشك ، ولكنه يحسن في ابتداء حال المكلف حتى يتسنى له أن يصل إلى العلم الذي عنده تسكن النفس ، بل لم يكن يقين قط إلا وسبقه شك « 3 » ، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى كان بينهما حال شك ومن ثم فقد وجب الشك ووجبت معرفة مواضع الشك وحالاته الموجبة له لتعرف بها مواضع اليقين وحالاته الموجبة له « 4 » . ولا يلزم الشك لتعرف مواضع اليقين فحسب بل للتوقف والتثبت فيما يصل الإنسان من أخبار وما يرثه من اعتقادات « 5 » ولكن فيما ينبغي أن يكون الشك ؟ ذهب ديكارت إلى وجوب التخلص من الآراء القديمة عدا الدين لأن حقائقه موحى بها والأخلاق لدواعي عملية لا تجتمع مع الشك والتردد ، أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى العكس فإن هذه الدواعي العملية ذاتها هي التي تفرض على المكلف الشك في أصول الاعتقادات والعادات الأخلاقية من حيث إنها تتعلق بسلوك المكلف في الدنيا ومصيره في الآخرة ، إنه لا يلزم كل مكلف النظر في الجزء والمداخلة والكمون وإنما يلزمه النظر في كل علم يخشى المضرة بتركه ، فحال المكلف كحال المسافر عليه أن يسأل ويبحث قبل أن يقدم حتى لا يضل أو يطرق طريقا فيه هلاكه ، فالغرض من الشك أن يتحرز المكلف من الضرر بما يتولد عن الشك وعن
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : آية 148 . سورة يونس : آية 66 . والنجم : آية 23 . ( 2 ) سورة يونس : آية 36 . ( 3 ) جولدتسيهر : العقيدة والشريعة ص 91 وكريمر : تاريخ الحضارة جزء 2 ص 267 . ( 4 ) الجاحظ : الحيوان جزء 3 ص 18 وجزء 6 ص 10 - 16 . ( 5 ) ينسب مارتن شرينر إلى النظام أنه تابع أرسطو في القول بأن الشك أول خطوات المعرفة ( الدكتور أبو ريدة : النظام هامش ص 52 ) وفي ذلك تعسف لأن التشكك ابتداء صفة الفكر الفلسفي عامة ولا يختص به أرسطو فضلا عن أن الشك ليس ركنا أساسيا في فلسفة أرسطو كما هو الحال عند ديكارت مثلا .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 120 | أحمد محمود صبحي