الكبيرة لغيرهم لطفا بهم ، وليس ما جرى على آدم من نزع اللباس والإخراج من الجنة والإهباط من السماء إلا صغيرة مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأعمال الصالحة التي هي أجل الأعمال وأعظم الطاعات ، وقد جرى ذلك عليه تعظما للخطيئة وتفظيعا لشأنها وتهويلا ليكون ذلك لطفا له ولذريته في اجتناب الخطايا واتقاء الآثام والتنبيه على أنه خرج من الجنة بخطيئة واحدة فكيف يدخلها ذو خطايا جمة « 1 » .
وليست خطيئة آدم علة الشر ولا بدايته ، بل على العكس إن ابتداء الخلق في الدنيا خير من ابتدائهم في الجنة ، ولو علم اللّه أن مقامهم في الجنة كان أفضل لفعله بهم حيث يجب أن يفعل بعباده ما هو أصلح لهم وأنفع ، ولكنه علم أن الثواب والأجر على المشقة والعمل والتكليف أفضل وأولى ، إنه لو خلقنا في الجنة ما كنا نعلم مقدار النعمة علينا في ذلك ، وكنا نكون غير مستحقين لذلك النعيم بعمل عملناه ، وإدخالنا الجنة بعد استحقاقنا لها أتم في النعمة وأبلغ في اللذة ، فدرجة الاستحقاق أسنى من التفضل المجرد ، ولو خلقنا في الجنة لم يكن بد من التوعد على ما حذر علينا وليست الجنة دار توعد ، وقد علم اللّه أن بعضهم كان يكفر ويفسق ومن ثم فقد وجب أن يخرج منها « 2 »
ولا يحتج بأن الدنيا دار محنة لأن تعريض العباد للمحنة صواب في التدبير حسن جميل ، فمن أطاع وأصلح استحق الخلود في الجنات ومن عصى وكفر فقد أساء إلى نفسه من حيث إن اللّه لم يعرضه للمحنة إلا بعد لطف منه وبيان ودلالة ودعاء .
تلك هي نظرية المعتزلة تفسر نشأة الإنسان المكلف بأصل العدل وتخضع خطيئة آدم لمفاهيمهم الأخلاقية في اللطف والعصمة ولا تلزم عنها
هامش
( 1 ) الزمخشري : الكشاف في تفسير آية خروج آدم من الجنة ج 1 ص 53 و 54 .
( 2 ) ابن حزم : الفصل في الملل والنحل ج 1 ص 175 .