تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
تتميز بالسمو الخلقي فضلا عن اتساقها مع النص القرآني ، فهم ولا شك أعمق فهما لمعنى العدل الإلهى من سائر فرق المسلمين ، غير أنه يؤخذ عليهم أنهم أقحموا أنفسهم في إصدار الحكم في كل قضية ومعضلة كأنهم قد أوتوا العقل الإلهى ليحكموا بمقتضى عدله ، غير أنهم لم يذهبوا جميعا إلى ذلك بل لجأ بعضهم إلى القول أن للّه في هذا سرّا من الحكمة والعدل نؤمن به وإن كنا لا نعلم لم هو ولا كيف هو « 1 » ، وقد نقل هذا عنهم ابن حزم وهو من ألد خصومهم ، وقول هؤلاء - ولم يذكر أسماءهم - أقرب إلى الحق وأبعد عن التعسف في إبداء الرأي في دقائق الأمور ومعضلاتها . وإن صح أن يعذر المعتزلة حين جعلوا غير المكلفين يشملهم قانون العدل الإلهى ، فإنهم لا يعذرون حين يخضعون الموت والآجال للقانون الأخلاقي فتطيش نظرتهم ولا تصيب من الحقيقة شيئا ، إذ لا صلة بين الموت وبين التكليف ، فالموت يستوى عنده الأخيار والأشرار لا تخف سكراته عن الصالحين لصلاحهم ولا يتأجل الأجل ليزدادوا تقوى ، ولا ينقص من عمر الأشرار شيئا ، فلا مبرر لقولهم : اللّه لا يميت كافرا لو أطال في عمره لآمن ، فليس في ذلك فساد أو استفساد ، كذلك لا يخترم اللّه الأطفال صغارا لأنهم لو بلغوا لكفروا وفسقوا ، ولا ينتهى أجل المؤمن لأنه لو بقي لكفر ، هذه زلة تؤخذ عليهم وقد استغلها الأشاعرة لينقضوا أصل العدل وفقا للمفهوم المعتزلي من أساسه ، عندها افترق شيخ الأشاعرة عن شيخه المعتزلي ونفض عن نفسه جميع آراء الاعتزال ، ولا يكاد يخلو كتاب للأشاعرة يتعرض للمعتزلة دون ذكر قصة الأطفال الثلاثة لأنها حجتهم الدامغة التي أفحم بها الأشعري شيخه ودحضوا بها آراء المعتزلة بأكملها حسب تصورهم . ومع أن القاضي عبد الجبار قد أدرك أن لا تعلق بوصف فعل اللّه بالعدل
هامش
( 1 ) ابن حزم : الفصل ج 3 ص 119 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 104 | أحمد محمود صبحي