سخرية : كم يبدو غريبا أن يحكم على طفل بالألم من أجل خطيئة لم يكن هو نفسه قد ارتكبها ولا غمس فيها أصبعا بأية وسيلة بل لا يعرف عنها شيئا إلا من التاريخ وبعد زمن من حياته « 1 » .
والواقع أن المسيحية قد جسمت وطأة الخطيئة الأولى لتعادلها بعقيدة النعمة الإلهية بصلب المسيح ، غير أنه بصرف النظر عن الناحية العقائدية فإن المشكلة المتعلقة بالمسئولية ما زالت قائمة .
وقد أشار الإسلام في أكثر من آية
« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » *
« 2 » ، فأقر المسؤولية الفردية إذ لا يخلص الإنسان الفرد فداء عام أو تضحية كلية ، فكل مسؤول عن عمله ، إن الصلب يؤدى إلى انفكاك المسؤولية الفردية التي هي أشد ما يحرص عليه الإسلام « 3 » .
وكان على المعتزلة أن يدلوا برأيهم وفقا لمبدأ المسؤولية الفردية من ناحية وأصل العدل من ناحية أخرى مع إيمان بخطيئة آدم وهبوطه إلى الأرض بسببها .
ومن ناحية أخرى يجب أن تتسق آراء المعتزلة فلا يتعارض تفسيرهم لخطيئة آدم مع عقيدتهم بوجوب عصمة الأنبياء ، ومن ثم فإن معصية آدم ليست كبيرة وما فعله اللّه به ليس إلا تنبيها لما كان لا يصح أن يصدر عن نبي فلم يكن ذلك عقابا وإنما محنة ، إنه بمنزلة الأمراض عندنا في أنه تعالى فعله لا عقوبة ولكن على جهة الامتحان ، كيف وقد تاب آدم إلى ربه وأناب وقبل اللّه توبته وكيف يصبح هبوطه إلى الأرض عقابا بعد قبول التوبة « 4 » ولكن الصغيرة من النبي تبلغ في حساب اللّه عليها حد
هامش
( 1 ) أندريه كريسون : المشكلة الأخلاقية والفلاسفة ج 1 ص 135 .
( 2 ) سورة الأنعام : أية 164 سورة الإسراء : آية 15 سورة فاطر : آية 18 سورة الزمر : آية 7 .
( 3 ) الدكتور النشار : نشأة الفكر ج 1 ص 54 .
( 4 ) القاضي عبد الجبار : المغنى اللطف ص 408 .