ولا مبرر لثورة الأشاعرة والظاهرية لأنهم قد سووا بين أبى طالب عم النبي وبين سائر المشركين في الخلود في النار ، فالخلود في الجنة لأبناء المشركين أهون من القول بخلود أبى طالب المدافع عن النبي إلى يوم مماته في النار ، ومن ناحية أخرى لقد ذهب بعض الأشاعرة إلى أن اللّه يجوز أن يعذب أبناء المشركين إغاظة لآبائهم « 1 » ! . وهذا قول يجافى العقل والعدل معا بل إن رأى المعتزلة أقرب إلى السمع حيث
« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى »
« 2 » وحيث كل مولود يولد على الفطرة .
واختلفت المعتزلة بعد ذلك في ديمومة العوض ، ذهب متقدموهم إلى أنه دائم وذلك من اللّه فضل وليس جزاء ، وذهب متأخروهم إلى أنه ينقطع لأن استحقاق العوض بقدر ما لحق من الضرر ، ومن ثم فإن غير المكلفين من الأطفال والبهائم يقول لها اللّه : كونى ترابا فتنقطع عنها الحياة « 3 » ، ولكن سواء أكان العوض دائما أم منقطعا فإن المعتزلة قد أجمعت على أنه لا يجوز أن يؤلم اللّه سبحانه وتعالى الأطفال في الآخرة ولا يجوز أن يعذبهم « 4 » .
جمع المعتزلة الدنيا والآخرة في نظرة شاملة جامعة يحكمها قانون خلقي واحد هو عدل اللّه ، فإن اختلت الموازين في الدنيا حيث الشرور والآلام فإنها يجب أن تستقيم يوم القيامة وفقا لمبدأى الاستحقاق والعوض ، يشمل ذلك المكلفين وغيرهم ، حيث إن عدل اللّه لا يتباين ولا يختلف ، قال تعالى :
« وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ »
« 5 » ونظريتهم في جملتها
هامش
( 1 ) الأشعري : الإبانة عن أصول الديانة ص 53 .
( 2 ) سورة الأنعام : آية 164 .
( 3 ) المغنى : اللطف ص 518 .
( 4 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 1 ص 293 .
( 5 ) سورة الأنبياء : آية 47 .