درجاتها العفة المقتضية للمروءة ، والكاذب لا مروءة له فلا إيمان له حقيقة . وإنما قلنا : لا مروءة له لأن النطق هو الإخبار المفيد للغير ، المعنى المدلول عليه باللفظ والإنسان خاصته التي تميزه عن غيره هي النطق فإذا لم يطابق الإخبار لم تحصل فائدة النطق ، فخرج صاحبه عن الإنسانية وقد أفاد ما لم يطابق من اعتقاد وقوع غير المواقع فدخل في حدّ الشيطنة فاستحق المقت الكبير عند اللّه بإضاعة استعداده واكتساب ما ينافيه من أضداده . وكذا الخلف لأنه قريب من الكذب ولأن صدق العزم وثباته من لوازم الشجاعة التي هي إحدى الفضائل اللازمة لسلامة الفطرة وأول درجاتها ، فإذا انتفت انتفي الإيمان الأصلي بانتفاء ملزومه فثبت المقت من اللّه ) « 1 » .
هذا التحليل الرائع لمفهوم الآيتين المباركتين يتلخص فيما يلي :
1 - من لوازم الإيماني الحقيقي التطابق بين القول والعمل وهو يمثل الصدق الذي يدل على تمسك الإنسان بإنسانيته .
2 - عدم التطابق هو عين الكذب وهو يتنافي مع المروءة التي هي من المبادئ الأولية للإيمان فضلا عن حقيقته .
3 - إن الصدق منسجم مع فطرة الإنسان فإذا خالفه فقد خرج عن إنسانيته ودخل في حيز الشيطنة .
4 - ومع الشيطنة يستحق المقت الإلهي .
5 - إن خلف الوعد قريب من الكذب فيترتب عليه ما يترتب على الكذب .
6 - إن خلف الوعد خلاف صدق العزم وهو من لوازم الشجاعة وهي
هامش
( 1 ) تفسير ابن عربي ، ج 2 ، ص : 336 .