الدنيا وأهميتها فيها بمكان وأنه لا يستغني عنها ، فمن باب أولى في الآخرة لأنها دار القرار وثمرت التقوى هناك تقتطف ، ورياحينها هنا تفوح وتعبق بل تبدأ من عالم البرزخ وفي أول وصوله إلى قبره كما شرحه أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض خطبه المتقدمة حيث قال عنها :
( وجنّة ليوم فزعكم « 1 » ، ومصابيح لبطون قبوركم « 2 » ، وسكنا لطول وحشتكم « 3 » ، ونفسا لكرب مواطنكم « 4 » ، فإنّ طاعة اللّه حرز من متالف مكتنفة « 5 » ، ومخاوف متوقّعة ، وأوار نيران موقدة « 6 » « 7 » ) .
ومنها قوله عليه السّلام : ( وأوصاكم بالتّقوى ، وجعلها منتهى رضاه ، وحاجته من خلقه ، فاتّقوا اللّه الّذي أنتم بعينه ، ونواصيكم بيده ، وتقلّبكم في قبضته ، إن أسررتم علمه ، وإن أعلنتم كتبه قد وكّل « 8 » بذلك حفظة كراما لا يسقطون حقّا ولا يثبتون باطلا واعلموا أنّه من يتّق اللّه يجعل له مخرجا من الفتن ونورا من الظّلم ويخلّده فيما اشتهت نفسه وينزله منزل
هامش
( 1 ) والجّنة - بالضم - الوقاية . فإذا خاف الإنسان المتقى نجّاه اللّه سبحانه .
( 2 ) القبر مظلم فالتقوى تكون مصباحا يضيء تلك الظلمة .
( 3 ) التكون سكنا ومؤنسا للطول الوحشة بل هي رافعة لها بينما قبر غير المتقي يكون موحشا .
( 4 ) فإنّ الإنسان لا بد وأن يتوجه إليه الهمّ والغمّ ، فإذا كان متّقيا نفس كربه وأزيل همّه .
( 5 ) متالف جمع متلف ، أي محل التلف ، ومكتنفة المحيطة بالإنسان .
( 6 ) الأوار - بالضم - حرارة النار ولهيبها . والمراد نيران الحروب والفتن ، وإنما شبهت بالنّار لأنها توجب حرارة جسم الإنسان ، وإفناء الأشياء كما أنّ النّار توجب ذلك ، وإيقاد النّار إشعالها .
( 7 ) نهج البلاغة ( طبع مؤسسة نهج البلاغة ) ، صفحة 233 رقم الخطبة 189 .
( 8 ) « ض » ، « ب » : قد وكّل بكم حفظة .