كما نرى من الإمام إشارة لطيفة لأحد تلاميذه ، إلى أن التدبر في ظرائف الخلق الإلهي في الطبيعة والاستلهام منها ، أصبحت منشأ لظهور الصناعات عند البشر فقال :
« فانظر إلى حكمة الخلقة كيف سبقت حكمة الصناعة » « 1 » .
ثم ضرب الإمام مثالا في هذا المجال : « ألا ترى إلى عمد الفساطيط والخيم كيف تمدّ بالأطناب من كل جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط ولا تميل فهكذا تجد النبات كله له عروق منتشرة في الأرض ممتدة إلى كل جانب لتمسكه وتقيمه . . . فصارت الحيلة التي يستعملها الصناع في تثبيت الخيم متقدمة في خلق الشجر . . . فالصناعة مأخوذة من الخلقة » « 2 » .
فنستطيع أن نعدّ أمثلة كثيرة كهذه في الصناعات والتقنيات التي أخذت فكرتها من الطبيعة عبر العصور .
وبما أن الصناعة تعتبر الدعامة الأساسية للإنتاج لأي شعب ، على اعتبار أنها من مقومات المجتمع المتحضر ، فإن الصادق يدفع تلاميذه إلى العمل في الصناعة بتحويل المواد الخام إلى سلع متنوعة يحتاج إليها الناس حتى ينتفعوا بها .
هذا ما ورد في كلامه عندما روى عنه أبو حمزة الثمالي بأنه مرّ معه في سوق النحاس فسأل عن أصل النحاس فأجاب الإمام : « أصله فضّة إلا أن الأرض أفسدتها فمن قدر على أن يخرج الفساد منها انتفع بها » « 3 » . هكذا يشير الإمام إلى إمكانية استخراج الموارد الثمينة من المواد المعدنية في الأرض والانتفاع بها إضافة إلى التعليم والتشجيع على ممارسة مثل هذه العمليات المنتجة والصناعية في آن .
د - التجارة :
خلق اللّه سبحانه وتعالى الناس على حالة يحتاج فيها بعضهم إلى بعض ، فليس الفرد يملك كل ما يحتاج إليه ، بل يملك هذا ما يستغني عنه ذاك والعكس ، ويحتاج إلى بعض ما يستغني عنه الآخرون ، ومن ثم « ألهم اللّه الخلق أن يتبادلوا السلع والمنافع بالبيع والشراء وسائر المعاملات حتى تستقيم الحياة » « 4 » .
وعندما جاء الصادق من يرجوه أن يدعو اللّه له ألا يكون رزقه علي أيدي العباد ، أجابه : « أبى اللّه عليك ذلك ، أبى اللّه ألّا يجعل رزق العباد بعضهم من بعض ، ولكن
هامش
( 1 ) كاظم مظفر ، توحيد المفضل ، مرجع سابق ، ص 101 .
( 2 ) المصدر نفسه والمكان نفسه .
( 3 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 173 .
( 4 ) زياد عبد الباقي ، العمل والعمال والمهن في الإسلام ، مكتبة وهبة ، القاهرة ، 1987 ، ص 38 .