تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
فهو في سيرته العملية يعمل هكذا حينما يريد أن يعرض القدوة للآخرين ، فروي في هذا الصدد أنه عندما أصاب أهل المدينة قحط وزادت أسعار السلع فيها ، قال الإمام لمولاه : « كم عندنا من طعام ؟ قال : عندنا ما يكفينا أشهرا كثيرة . قال : أخرجه وبعه ! قال : وليس بالمدينة طعام . قال : بعه ! أشتر مع الناس يوما بيوم . ثم قال : يا فلان ! اجعل قوت عيالي نصفا شعيرا ونصفا حنطة ، فإن اللّه يعلم أني واجد أن أطعمهم الحنطة على وجهها ، ولكني أحببت أن يراني اللّه قد أحسنت تقدير المعيشة » « 1 » .

- التحذير من الإسراف والإفراط :

من معالم التربية الاقتصادية في مدرسة الصادق التحذير من الإسراف أي « مجاوزة القصد » « 2 » وهو : « صرف الشيء فيما ينبغي زائدا على ما ينبغي ، بخلاف التبذير ، فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي » « 3 » . فالنهي عن الإسراف يمثّل تحديدا كميّا لنفقات المعيشة كما أنّ المنع من التبذير يمثل تحديدا كيفيّا للتصرف في المال ، لأن « التبذير ، الجهل بمواقع الحقوق والسرف الجهل بمقادير الحقوق » « 4 » . فالإمام الصادق يريد أن يكوّن الرقابة الذاتية لدى الفرد بحيث يراقب نفسه بنفسه في كل شيء وعن طريق تقوى اللّه ، لذلك يرشد تلاميذه بقوله : « إنّ القصد أمر يحبه اللّه والسرف أمر يبغضه اللّه » . . . « اتق اللّه ولا تسرف ولا تقتر وكن بين ذلك قواما وإن التبذير من الإسراف » « 5 » . وقد سعى إلى تحويل هذه المبادئ العامة إلى إجراءات سلوكية في تربية تلاميذه ، عبر تبيين مظاهر الاستهلاك الخارجة عن الوسطية ، في الحياة اليومية كقوله : « إنما السرف أن تجعل ثوب صونك « 6 » ثوب بذلتك » « 7 » .
هامش
( 1 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 47 ، ص 60 . ( 2 ) الفيروزآبادي ، القاموس المحيط ، مرجع سابق ، ج 3 ، ص 151 . ( 3 ) الجرجاني ، التعريفات ، مكتبة لبنان ، 1969 ، ص 24 . ( 4 ) أبو الحسن الماوردي ، أدب الدنيا والدين ، تحقيق مصطفى السقاء ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1398 ، ص 187 . ( 5 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 4 ، باب فضل القصد ، ح 2 وباب فضل الزكاة ، ح 14 . ( 6 ) ثياب الصون : التي تلبس للتجمل والبذلة : الثوب الرث الخلق وثوب الخدمة وما يلبس كل يوم . ( 7 ) الطبرسي ، مكارم الأخلاق ، مرجع سابق ، ص 156 .
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق — صفحة 386 | حسناء ديالمة