2 - التحديد الكمي :
من أهم الأساليب الحاسمة التي اعتمد عليها الإمام الصادق لترشيد الاستهلاك الفردي هو التأكيد على التحديد الكمي للإنفاق . فهو لم يكتف في تربيته بضبط سلوك المستهلك نوعيّا ، إنّما يضبط درجة الكمية التي يسمح للفرد المسلم باستهلاكه من السلع .
فالإسلام أمر أتباعه بالتمتع في هذه الدنيا بالطيبات الحلال ، مع ضرورة المحافظة على خط الاعتدال في هذا التمتع .
لأنّ « قضية الاستهلاك في الإسلام ليست كما هي في الفكر المادي المعاصر ، قضية إنفاق يتناسب مع الإنتاج ، أو مع ما رزقه الإنسان من رزق ، بل هي قضية اعتدال في الإنفاق ، مهما وسع اللّه سبحانه على الإنسان في الرزق » « 1 » ، أو على حد التعبير القرآني المحكم ، في وصف عباد الرحمن المؤمنين :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
« 2 » .
وهذا المقصد بالذات هو ما اهتمّ به الإمام في تعاليمه ، فأوضح بأنّ المسلم ليس حرا طليقا في إنفاق ماله ، يبذله يمنة ويسرة من غير رقيب ، وإنّما هو مقيّد ومسؤول عن النفقة فيما أحلّه اللّه ، ولذلك يقول الإمام لأحد تلاميذه :
« أترى اللّه ائتمن رجلا على مال خوّل له ، أن يشتري فرسا بعشرة آلاف درهم ، ويجزئه فرس بعشرين درهما ؟ » . . . « 3 »
وهذه المطالبة الصريحة من الإمام بوجوب ترشيد الاستهلاك وتحديده كميّا حتى في حالات الغنى والرخاء ووفرة الإنتاج فهو لا ينهى عن التوفير لكل فرد ، ذلك المستوى اللائق والكريم من المعيشة الذي يتناسب مع ظروفه وأوضاعه ، بل كما برز في تعبيره « يجزئه » ، يدعو إلى الاعتدال في الأنماط الاستهلاكية والحفاظ على النعمة مهما كانت إمكانات الفرد كبيرة .
ولذلك وجدنا من أبرز إرشاداته لتلاميذه التوكيد على وسطية الاستهلاك ، أي بالقدر الذي يحقق القصد منه في كل جوانب الحياة . وهذا فيما روى عنه أبان بن تغلب :
« المال مال اللّه ، يضعه عند الرجل ودائع ، وجوّز لهم أن يأكلوا قصدا ، ويشربوا
هامش
( 1 ) عبد الغني عبود ، التربية الاقتصادية ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1992 ، ص 157 .
( 2 ) سورة الفرقان ، الآية 67 .
( 3 ) محمد بن مسعود ، تفسير العياشي ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 13 .