« وما يجوز من الأشربة من جميع صنوفها ، فما لا يغيّر العقل كثيرة فلا بأس بشربه وكل شيء منها يغيّر العقل كثيرة فالقليل منه حرام » « 1 » .
فممّا ينجم عن هذا التوجيه أنّ الاستهلاك لا بد أن يتوجه إلى الطيبات التي بها قوام طاقات الإنسان وقدراته الجسدية والعقلية والروحية .
والمستهلك عندما يتخذ قرار إشباع حاجاته لا بدّ له من « تجنب جميع السلع والخدمات التي يثبت قطعا أنّها ضارة بالصحة أو بالأخلاق ، أو تلك التي يتضمن استهلاكه لها انغماسا واضحا في ترف الحياة الدنيا وتبذيرا لا يستحسنه إلا الشيطان » « 2 » .
على صعيد آخر يحاول الإمام في مسيرته التربوية تغيير النمط الاستهلاكي في المجتمع ، والذي يتمثل في إرشاداته إلى عدم اقتصار الإنفاق ، على شراء السلع الاستهلاكية البحتة ، حتى يدّخر الفرد شيئا من ثمن السلعة ، عن طريق مساهمته في العملية الإنتاجية ، وهو يعتبر هذا الأمر من الطرق الأساسية للقضاء على الفقر ، كما ورد عنه قوله في هذا الصدد : « شراء الحنطة ينفي الفقر ، وشراء الدقيق ينشئ الفقر ، وشراء الخبز محق » « 3 » .
هذا التوجيه التربوي تضمن إشارة لطيفة إلى مراحل متتالية في تحويل المواد الأولية إلى إنتاج السلعة النهائية ، ثم يبيّن بأنّه كلما ازدادت المساهمة في الإنتاج ، كلما ابتعد الفرد والمجتمع عن الفقر وهذا بادّخار القيمة المضافة « 4 » التي حصل عليها الفرد عن طريق مساهمته نفسه .
هكذا نرى بأنّ الإمام في مسيرته التربوية قد اهتمّ بتوجيه الطلب الاستهلاكي إلى الطلب الإنتاجي من جهة والالتفات إلى قاعدة المصلحة والنفع البشري - بدنا وعقلا وروحا - في نوعية السلع الاستهلاكية من جهة أخرى ، حتى لا يذهب تلاميذه فيما لا فائدة من ورائه أو فيه ضرر .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه ، ص 338 .
( 2 ) أحمد عبد الرحمن يسري ، دراسات في علم الاقتصاد الإسلامي ، دار الجامعات المصرية ، الإسكندرية ، 1988 ، ص 35 .
( 3 ) الطوسي ، تهذيب الأحكام ، ج 7 ، ص 162 .
( 4 ) القيمة المضافة) dedda ullaV (عبارة عن الفرق بين تكاليف استخدام عناصر الإنتاج في مرحلة ما والثمن الذي تباع به السلعة عند نهاية هذه المرحلة . . . وتبيّن الأهمية الكسبية لكل صناعة أو مرحلة على حدة منها . ( زكي بدوي ، المعجم الاقتصادي ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، د . ت ، ص 300 ) .