تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
وقال : « أدنى الإسراف هراقة فضل الإناء ، وابتذال ثوب الصون ، وإلقاء النوى » « 1 » . ومن أهم هذه الإجراءات ، توجيهه إلى المحافظة الشديدة على الموارد ، وعدم السماح بهدرها في الاستهلاك ، وقد روي « أنّه نظر إلى فاكهة قد رميت من داره لم يستقص أكلها ، فغضب الإمام وقال : ما هذا ؟ إن كنتم شبعتم فإن كثيرا من الناس لم يشبعوا ، فأطعموه من يحتاج إليه » « 2 » . يمقت الإمام هذا السلوك الاستهلاكي لما له من تأثير سيئ على الأفراد والمجتمعات ؛ لأن فيها ظلما للفقير والمسكين . وعليه ، تجيء توجيهاته بأن يعرّف معيارا لمصاديق الإسراف حتى لا يخطئ الناس فيها بقوله : « ليس فيما أصلح البدن إسراف إنّما الإسراف فيما أتلف المال وأضر بالبدن » « 3 » .

- غرس روح القناعة :

إنّ حالة الحرص والطمع هي العامل لشقاء الإنسان وغرقه في الملذّات المادية والدنيوية ، فالحريص يطلب الغنى من خارج ذاته ووجوده في حين أن أصل الغنى وحقيقته يجب أن يحصل عليها الإنسان من داخله . وهذا ما يقصد إليه الصادق في تربيته عندما يتحدّث عن واقع الإنسان في الحياة بقوله : « مطلوبات الناس في الدنيا الفانية : الغنى ، والدّعة ، وقلة الاهتمام ، والعزّ ، فأمّا الغنى فموجود في القناعة ، فمن طلبه في كثرة المال لم يجده . . . » « 4 » . وذلك لأنّ القناعة هي التي تورث الإنسان الطمأنينة والهدوء النفسي في الحياة ، والإنسان عندما تصاب روحه بالحرص ، فإنّه لو ملك الدنيا بما فيها فإنه يعيش فقيرا كذلك ، ولكنّه إذا عاشت روحه الغنى الذاتي ولم يجد في نفسه طمعا ، فلو سلب من جميع ما في الدنيا فإنه يعيش الغنى كذلك . وهذا ما أشار إليه الإمام في معالجة المشكلة التي شكا فيها رجل إليه : « أنه يطلب فيصيب ولا يقنع وتنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه ، وقال : علمني شيئا أنتفع به ، فقال أبو عبد اللّه :
هامش
( 1 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 72 ، ص 303 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ج 63 ، ص 432 . ( 3 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 6 ، باب فضل القصد ، ح 10 . ( 4 ) الصدوق ، معاني الأخبار ، ص 23 .