فهو على صعيد سلوكه الشخصي كان هكذا ، وهو بصفته أحد المربين الكبار يظهر في المجتمع بشكل رائع وجميل حيث ورد عن سفيان الثوري أنه قال :
دخلت على جعفر بن محمد وعليه جبة خزّ دكناء وكساء خزّ ، فجعلت انظر إليه تعجبا ، فقال لي : « يا ثوري ، ما لك تنظر إلينا ؟ لعلك تعجب ممّا ترى » فقلت له :
يا ابن رسول اللّه ؟ ، ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك !
فقال : « يا ثوريّ ، كان ذلك زمان افتقار ، وكانوا يعملون على قدر إقتاره وافتقاره ، وهذا زمان قد أسبل كل شيء عزاليه . ثم حسر ردن جبته ، فإذا تحتها جبّة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذّيل والرّدن عن الرّدن ، وقال : يا ثوريّ ، لبسنا هذا للّه وهذا لكم ، فما كان للّه أخفيناه ، وما كان لكم أبديناه » « 1 » .
فقد أشار الإمام في كلامه إلى تغيّر الأحوال والشرائط مع مضي الزمن ، وأكّد تأثير هذا الأمر على المستوى المعيشي مبيّنا بأنّ الزهد في نعم اللّه ليس فضيلة ، إنّما الفضيلة هي في تمتع الإنسان بها في حدود القيم التي رسمها الدين لإثراء سعادته ، ومنها عدم إغراق الفرد في اللذّات الدنيوية إضافة إلى تعويد نفسه على تحمل الظروف الصعبة قبل وقوعها كالتعود على خشونة الطعام والملبس .
وقام الإمام بهذه التربية على أكمل وجه عندما يعرّف الزهد تعريفا دقيقا يتضمن تحذيرا من التباس هذه المرتبة الإيمانية بالتقتير والتقشف ، وهذا ما ينص عليه قائلا :
« ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ولا بتحريم الحلال بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد اللّه عزّ وجلّ » « 2 » .
فالصادق بهذا التوجيه التربوي ، يلفت الأنظار إلى أن الزهد حالة نفسانية ، تتحقّق باطمئنان الإنسان إلى قدرة اللّه وعطائه ، وليس هو تحريم الحلال ومنع الجود والعطاء على نفسه وعلى الآخرين . وهكذا يربّي الإمام تلاميذه بحدود الاستهلاك السليم : لا إسراف ولا تقتير بل إنفاق بالتقدير والقناعة وهذه هي الرسالة التي تقوم على منهج الاعتدال في تربية الخلق ليصبحوا أنموذجا يحتذى في المجتمع .
هامش
( 1 ) أبو نعيم ، حلية الأولياء ، ج 3 ، ص 193 / الشافعي ، مطالب السؤول ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 56 .
( 2 ) الصدوق ، معاني الأخبار ، مرجع سابق ، ص 251 .