فالإسلام وإن كان يبيح الإنفاق بل يأمر به إلا أنه قد جعل له قيودا حتى مع وجود وفرة في المعروض من السلع والخدمات ، فلا يجوز للمسلم أن يتخطّى هذه الحدود .
وقد أكّد الإمام الصادق في مدرسته التربوية على هذا المنهج الاقتصادي الإسلامي لترشيد الإنفاق الفردي وأرشد تلاميذه إلى أسلوب التحديد الكمي والنوعي للاستهلاك ممّا يعرفنا أنّ المسلم لا بدّ أن يتعلّم ويحسن عن طريق الوعي والتربية : ما ذا يستهلك ؟
وكم يستهلك ؟ ولم يستهلك ؟ وفي هذا البحث سوف نتناول أهمّ إرشاداته في هذا المجال :
1 - التحديد الكيفي :
لقد امتازت البرامج الترشيدية في مدرسة الصادق ، بأنّها تنظم حياة الفرد اليومية على استهلاك الطيبات واجتناب الخبائث عبر تفصيل الضوابط الشرعية للاستهلاك .
قال تعالى :
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
« 1 »
لأنّ الإسلام لا يسمح لأي فرد بأن يصرف ماله على نزواته وفيما حرم اللّه أو يستهلكه في غير موضعه ، ولكنه يوجه الفرد لاستهلاكه فيما ينفع ، ليحقق الغرض منه .
من هنا تختلف السلع والخدمات التي يستهلكها المسلم من غيره .
فالإمام الصادق عندما يوجّه تلاميذه إلى أحكام الحلال والحرام في إشباع الحاجات الضرورية كالأكل والشرب يسوق ذهنية الأمة إلى قضية النفع والضرر أو الصلاح والفساد للإنسان حتى يربّيهم على أنماط الاستهلاك السليمة والواعية وهذا ما ينصّه :
« فأما ما يحل ويجوز للإنسان أكله مما أخرجت الأرض فثلاثة صنوف من الأغذية : صنف منها جميع الحب كله من الحنطة والشعير والأرز والحمص وغير ذلك من صنوف الحب وصنوف السماسم وغيرها .
كل شيء من الحب مما يكون فيه غذاء الإنسان في بدنه وقوته فحلال أكله وكل شيء تكون فيه المضرة على الإنسان في بدنه فحرام أكله إلا في حال الضرورة وكذلك من جميع صنوف الثمار وجميع صنوف البقول والنبات . . . . » « 2 » .
وبما أنّ المنفعة والمضرّة ليست مقتصرة على جسد الإنسان فحسب بل تشعل كل النواحي الصحية والنفسية والاجتماعية .
فإن الإمام يلفت أنظار تلاميذه إلى تأثير بعض السلّع على النواحي العقلية التي تؤدي إلى حرمته ، كقوله :
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، جزء من الآية 119 .
( 2 ) الحراني ، تحف العقول ، ص 337 .