وهكذا كانت توجيهات الصادق تحوّل اتجاه الاستهلاك في المسلم ومسار إنفاقه للمال من التسابق على إشباع الرغبات والاستجابة للنزعات والتفنّن في أساليب الحياة وألوان البذخ ، إلى تحمل الهموم الكبيرة والإحساس بالمسؤولية إزاء الآخرين .
ولا يكتفي النظام التربوي الاقتصادي في فكر الإمام بمجرد الكلام وطرح النظريات في سبيل تحقيق أهدافه وإنّما يعمد إلى التطبيق العملي لهذه الأمور ؛
فكان الإمام يقوم بنفسه بتقديم مساعدات مالية لأهل الحاجة وتوزيع ماله عليهم والعمل على إغناء الناس وإزاحة كابوس الفقر عن كواهلهم .
كما روى أحد تلاميذه قال : قلت للإمام : « بلغني أنك كنت تفعل في غلة « عين زياد » شيئا ، وأنا أحبّ أن أسمعه منك . قال : فقال لي : نعم كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم ، ليدخل الناس ويأكلوا ؛ وكنت آمر في كل يوم أن يوضع عشر ثبنات ، يقعد على كل ثبنة عشرة ، كلما أكل عشرة جاء عشرة أخرى ، يلقي لكل نفس منه مد من رطب . وكنت آمر لجيران الضيعة كلهم - الشيخ والعجوز والصبي والمريض والمرأة ومن لا يقدر أن يجيء - فيأكل منها ، لكل إنسان منهم مدّا ؛ فإذا كان الجذاذ ، أوفيت القوّام والوكلاء والرجال أجرتهم ، وأحمل الباقي إلى المدينة ، ففرقت في أهل البيوتات والمستحقين الراحلتين والثلاث والأقل والأكثر ، على قدر استحقاقهم ، وحصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار . وكانت غلّتها أربعة آلاف دينار » « 1 » .
* تحديد الإنفاق والإلزام به :
يقصد من الاستهلاك في الاقتصاد الوضعي ، الاستهلاك نفسه أي إشباع رغبات المستهلك ، وما دامت هذه الحاجات مدعمة بالقدرة على الشراء يعنى بها ، ويوضع لها حدود ، لذلك « لا تتجّه السياسات الاقتصادية الوضعية نحو ترشيد الاستهلاك الفردي للسلع ، والخدمات ، إلا انبعاثا من وجود ندرة في عرض بعض السلع ، والخدمات ، وعدم قدرة المعروض منها ، على مواجهة المطلوب » « 2 » .
أما الاستهلاك في الإسلام فإنه ليس غاية للوجود الإنساني بحد ذاته ، وإن كان غاية للنشاط الاقتصادي فالمجتمع المسلم يستهلك ليعيش ولا يعيش ليستهلك ، ويهدف الاستهلاك فيه إلى تحقيق غايات أخلاقية وعقدية وإنسانية .
على هذا ركّز تنظيم الإنفاق للمستهلك المسلم وتوجيه اختياراته في الاستهلاك وفقا لهذه الأهداف .
هامش
( 1 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 6 ، ص 140 .
( 2 ) بيلي إبراهيم أحمد العليمي ، السياسة الاقتصادية الإسلامية لترشيد الاستهلاك الفردي ، جامعة القاهرة ، 2000 ، ص 1 .