فالمسلم في رأيه مأمور بتدبير معيشته أحسن تدبير ، حتى يكون لديه من المال ما ينفقه في وجوه البرّ عليه وعلى من يعول ، وبذا يحقق المال الغرض منه بدوره في تنمية المجتمع الإنساني .
على هذا اعتبر الإمام التدبير نصف العيش كما اعتبره جزءا من الدين بقوله :
« التدبير نصف العيش » « 1 » و : « من الدين التدبير في المعيشة » « 2 » .
والقصد من التدبير في المعيشة هو التخطيط لما رزق اللّه الإنسان في حياته من المال والنعم ، حيث إن مهمة الإنسان في الحياة في هذا الصدد تتمثل في إدارة النعم التي وهبه اللّه إياها ، حتى يستخدم طاقته وفنّه في التصّرف فيه وينظّم عيشه تحت ظلّه .
والحق أن عملية إنفاق المال لا تقلّ - عند العقلاء - مشقة واحتياجا إلى الحكمة والعقل عن القدر الذي يبذله الإنسان في الحصول عليه وفي تثميره ، حيث إنّ ترشيد الاستهلاك هو الكسب تماما على حدّ تعبير الإمام الصادق .
كما روي أنّ رجلا قال لأبي عبد اللّه : « بلغني أنّ الاقتصاد والتدبير في المعيشة نصف الكسب فقال الإمام : لا ، بل هو الكسب كلّه » « 3 » .
فإنّ الإنسان إذا استهلك جميع ما كسب دون حدّ وقيود ، أو أنفق ماله فيما لا يفيد ، إنما يعدّ ذلك تضييعا للمال وبعثرة له فيما لا طائل من ورائه ولن يجني صاحبه وكذلك المجتمع من جراء هذا التصرف إلا الخسارة والضرر ، وهذا المقصد بالذات هو ما أكّده الإمام في كلامه بأنّ ترشيد الاستهلاك كلّ الكسب لأنه يضمن عدم ضياع الأموال ويحفظها .
وفي هذا السياق أثر عنه قوله : « لا يصلح المرء المسلم إلّا ثلاثة : التفقّه في الدين ، الصبر على النائبة ، وحسن التقدير في المعيشة » « 4 » .
فالصادق يعتبر أساس الحياة الطيبة للمسلم على ثلاثة أركان فأحدها حسن التدبير في العيش وممّا ينبغي بإمعان النظر أنّ جعل هذا الركن إلى جانب الآخر ، والمهم من الحياة فهو التفقه في الدين ففي رأيه لا يمكن للإنسان أن يحلّ الإيمان محلّ التدبير ولا يستغني عنه أيّ مؤمن لذلك يربّي الصادق تلاميذه عليها إلى جانب الوعي والمعرفة بالدين .
هامش
( 1 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج 6 ، ص 262 .
( 2 ) الطوسي ، أمالي ، ص 670 .
( 3 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 349 .
( 4 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 5 ، باب إصلاح المال ، ح 4 .