اللّه ، كما أرشد الإمام الصادق أتباعه إلى هذا الأمر بقوله : « تلقّوا النعم بحسن مجاورتها » « 1 » .
فالمسلم في إطار هذه النظرة يأكل ويشرب ويتمتع بطيبات الحياة ليقوى على عبادة اللّه وينظّم استهلاكه وفقا لأهداف العاجل والآجل في الدنيا والآخرة ، والمنفعة هي الخير الذي يحقّقه الفرد من جراء استهلاكه ، فيشبع رغائبه المادية والروحية .
أمّا غير المسلم في النظام الاقتصادي الوضعي فإنه يستهلك لحصول الملذّات المادية وإشباع الشهوات الجسدية فقط ، ويقتصر اهتمامه على تحسين وزيادة مستوى معيشته الحاضرة ؛ لأنّ الاستهلاك نفسه قيمة اجتماعية ، فهو يريد تعظيم إشباع حاجاته من عاجل لا بديل له في الآخرة .
والمنفعة هنا ، المنفعة الذاتية أي مقدار ما يحصل عليه الفرد من سدّ الحاجة ، « فبمقدار الإشباع من السلعة أو الخدمة المعينة تتحقق المنفعة بغض النظر عن الطريقة التي يحصل بها أو الأسلوب الذي يستعين به للوصول إلى المنفعة » « 2 » .
هكذا يتميز السلوك الاقتصادي للمسلم من غيره ؛ لأنّ النظام الاقتصادي الإسلامي يهتم بإشباع حاجات الإنسان مع حصول السمو الروحي والاطمئنان القلبي ، وألزم كل فرد بحتمية تحقيق التوازن في الاستهلاك بين متطلبات جسده وبين متطلبات روحه ، بشكل يمكنه من أداء رسالته على الوجه الأكمل .
من هنا اهتم الإسلام بتنظيم الاستهلاك تنظيما اقتصاديّا مخططا ، ورسم للإنسان منهاج الانتفاع واستخدام الثروة بشكل مبرمج ومحسوب ، لكي لا ينحرف الفرد في تصرفاته ، ولكي تتم استفادته من الخيرات والنعم التي أنعم اللّه بها على الإنسان .
فيمكن القول بأن مفهوم ترشيد الاستهلاك الفردي في الإسلام يعني « اتخاذ جميع الإجراءات والتدابير التي من شأنها تنظيم استهلاك الفرد وتوجيهه مما يحقق له السعادة الدنيوية والأخروية بالتزامه بمبادئ الشريعة الإسلامية » « 3 » .
وهذا ما يعبّر عنه الإمام الصادق بالتدبير في المعيشة . فإنّ اهتمامه بقضية الاستهلاك والتربية عليه لا تقلّ عن اهتمامه بقضية الإنتاج والتربية عليه ، وأنه ربط القضيتين معا بمنظوره إلى العقيدة الإسلامية .
هامش
( 1 ) الطوسي ، الأمالي ، ج 1 ، ص 303 .
( 2 ) محمد علي سميران ، مبدأ الإيثار في المنهج الإسلامي ونظرية تكبير المنفعة في الاقتصاد الوضعي ، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية - كويت ، عدد 53 ، ص 299 .
( 3 ) منظور أحمد الأزهري ، ترشيد الاستهلاك الفردي في الاقتصاد الإسلامي دار السّلام ، القاهرة ، 2002 ، ص 23 .