تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
وكذلك الإمام يشرح الحكمة البالغة الموجودة في العمل وآثارها الإيجابية للإنسان بقوله : « لولا يكون له - الإنسان - في الأشياء موضع شغل وعمل ، لما حملته الأرض أشرا وبطرا ولبلغ به كذلك إلى أن يتعاطى أمورا فيها تلف نفسه . ولو كفي الناس كلّ ما يحتاجون إليه ، لما تهنأوا بالعيش ، ولا وجدوا له لذّة ، ألا ترى لو أنّ امرءا نزل بقوم فأقام حينا بلغ جميع ما يحتاج إليه من مطعم ومشرب وخدمة ، لتبرّم بالفراغ ، ونازعته نفسه إلى التشاغل بشيء ، فكيف لو كان طول عمره مكفيّا لا يحتاج إلى شيء ؟ وكان من صواب التدبير في هذه الأشياء التي خلقت للإنسان أن جعل له فيها موضع شغل لكيلا تبرمه البطالة ، ولتكفّه عن تعاطي ما لا يناله ، ولا خير فيه إن ناله » « 1 » . وانطلاقا من هذا المفهوم فقد كان الإمام جعفر حريصا على أن تعمل كل الطاقات القادرة في المجتمع الإسلامي حتى لا تصبح كلّا وعالة على غيرها ، كما كتب إلى رجل من أتباعه : « لا تكسل عن معيشتك فتكون كلا على غيرك » « 2 » . والمكانة التي لها اعتبار خاص للسعي والعمل في مدرسة الصادق تتضح بصورة أكبر من خلال اهتمامه بعرض القدوة الصالحة لتلاميذه ، فهو يدعو المسلمين إلى التأسي بسيرة الأنبياء الصالحين في الجهد والسعي ويسرد قصصا من حياة الرسول الأكرم - القدوة العليا - لتلاميذه تشجيعا للعمل والإنتاج ، فيتحدث عن رجل قد ترك التجارة قائلا : « أما علم ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اشترى عيرا أتت من الشام ، فاستفضل فيها ما قضى دينه ، وقسّم في قرابته » « 3 » . كما يؤكد على سيرة آبائه الصالحين من أهل البيت في هذا الصدد فيقول : « لا تكسلوا في طلب معائشكم فإنّ آباءنا كانوا يركضون فيها ويطلبونها » « 4 » . والصادق نفسه يقتدي بهذه السيرة ويحرص على أن يشارك بنفسه في العمل والإنتاج ، وهذه نماذج من سيرته العملية في السعي والجهد وقد روى أحد أتباعه ما نصّه : « رأيت أبا عبد اللّه وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ يعمل في حائط له ، والعرق يتصابّ عن ظهره ، فقلت : أعطني أكفك ، فقال لي : « إني أحب أن يتأذّى الرجل بحرّ الشمس في طلب المعيشة » « 5 » .
هامش
( 1 ) كاظم المظفر ، توحيد المفضل ، ص 45 . ( 2 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 5 ، باب كراهية الكسل ، ح 9 . ( 3 ) الطوسي ، تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 226 ، ح 897 . ( 4 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج 3 ، ص 95 ، ح 3576 . ( 5 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 17 ح 21924 .