رغم أنّ الإمام يدعو إلى ادّخار « 1 » الثروة وتكوين رأس المال إلا أنّه في الوقت نفسه ينهى عن الاكتناز وهو حبس المال عن الإنتاج ووضعه بعيدا عن متناول الناس واستفادتهم ؛ لأنّ « الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال ، حتى تقدّر الأموال بهما . . . ومن كنزهما فقط ظلمهما وأبطل الحكمة منهما « 2 » »
فالإمام يرفض إمساك النقود ؛ لأنه يخرج المال عن مدار الحركة الاقتصادية فقال ما نصّه : « ما يخلف الرجل بعده شيئا أشدّ عليه من المال الصّامت « 3 » قيل له : كيف يصنع به ؟ قال : يجعله في الحائط والبستان والدّار » « 4 » .
فهو بهذا التعبير يلزم أتباعه باستثمار المال بشكل تام ، وذلك من خلال تأثيم المكتنزين ، وبما أنّ الناس قد يدّخرون النقود التي لا تدرّ عليهم أيّ فائدة إلّا بدافع الاحتياط من أخطار المستقبل - لحماية أنفسهم أو ورثتهم - ينصح الإمام تلاميذه لتلافي أخطار هذه الحالة بتوفير المال من شراء السلع المنتجة كضمانة لهم عند الحاجة كقوله :
« اتّخذ عقدة أو ضيعة فإنّ الرجل إذا نزلت به النّازلة أو المصيبة فذكر أنّ وراء ظهره ما يقيم عياله كان أسخى لنفسه » « 5 » .
وهكذا حاول أبو عبد اللّه تعميق الفهم لدور رأس المال ويعلّم - في الوقت نفسه - كيفيّة تكوينه والمحافظة عليه ومصادرة الثروة في المجتمع .
3 - العمل والحث عليه :
إن العمل هو العنصر الهام والفعال في كلّ طرق الإنتاج ، وهو العنصر الإنساني الذي يمثل النشاط الدائب والحركة المستمرة في سبيل التّقدّم ورفع مستوى المعيشة .
ويعرّف الاقتصاديون العمل بأنّه « كل جهد بدني أو ذهني مقصود ومنظم يبذله الإنسان لإيجاد زيادة مادية أو منفعة » « 6 » .
أما مفهوم العمل في الاقتصاد الإسلامي ، فيمكن تعريفه بأنّه « كل جهد مشروع ،
هامش
( 1 ) الادخار اصطلاحا هو كل مال يقرر صاحبه عدم استغلاله لأغراض كثيرة ، إن يستخدم هذه المدّخرات بوسيلة تدرّ عليها دخلا زائدا يسمّى الاستثمار ، وإن يحبس بشكل نقود أو ذهب أو فضة يسمى الاكتناز . فالادخار أعمّ من الاكتناز والاستثمار . ( صالح حميد العلي ، عناصر الانتاج ، ص 287 بتصرف )
( 2 ) الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ج 4 ، ص 91 .
( 3 ) المال الصامت أي الذهب والفضة ( الفيروزآبادي ، القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 152 ) .
( 4 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج 3 ص 170 ، ح 3642 .
( 5 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 17 ، ص 70 ، ح 22011 .
( 6 ) محمد رواس قلعه جي ، مباحث في الاقتصاد الإسلامي ، دار النفائس ، بيروت ، 1412 ، ص 67 .