ويفضّله على الإنفاق الاستهلاكي حرصا منه على تكوين وزيادة رأس المال ، كما جاء في كلامه : « مشتري العقدة مرزوق وبائعها ممحوق » « 1 » . والعقدة من الأرض : البقعة الكثيرة الشجر « 2 » .
تعبير الإمام بقوله : « مرزوق » يرمي إلى إمكانية تنمية الثروة من العقدة ، كما أنه ينهى عن بيع رأس المال المنتج ، من غير سبب وضرورة المحافظة عليه ، فيرشد تلاميذه إلى أنّه من الواجب في حال البيع أن يوجّه ثمنه النقديّ إلى شراء أصل إنتاجي آخر ، كما روى أحدهم قائلا : « قلت لأبي عبد اللّه : إنّ لي أرضا تطلب منّي ويرغّبونني ، فقال لي : « أما علمت أنّ من باع الماء والطّين ذهب ماله هباء ؟ ! » قلت : إنّي أبيع بالثمن الكثير ، وأشتري ما هو أوسع رقعة ممّا بعت ، قال : « فلا بأس » « 3 » .
فالإمام يعتبر بيع العقار وتبديد ثمنه في الاستهلاك إضاعة للمال ، وذلك من أجل توسيع قاعدة رأس المال العيني .
ويبرز اهتمام الإمام بالتنمية واستثمار المال في سيرته العملية عندما يأمر بإضافة ربح العمل إلى رأس ماله بدلا من استغلاله في مجالات أخرى ، كما روى عن رجل قال : « ربحت في مال أبي عبد اللّه ، الذي كان في يدي ، مائة دينار ، ثم لقيته ، فقلت له : قد ربحت لك هذا المبلغ ، ففرح أبو عبد اللّه بذلك فرحا شديدا فقال لي : « أثبتها في رأس مالي » « 4 » .
ويستحسن هنا أن نشير إلى أنّ الإمام قد يعلّم تلاميذه بعض الأساليب لحفظ رأس المال لتقليص عنصر المخاطرة في الاستثمار « 5 » ، على سبيل المثال :
روي أنّ رجلا أتى الإمام بصورة المستنصح له ، فقال له : يا أبا عبد اللّه كيف صرت اتخذت الأموال قطعا متفرّقة ، ولو كانت في موضوع واحد كانت أيسر لمؤونتها وأعظم لمنفعتها ؟ فقال أبو عبد اللّه : « اتخذتها متفرقة فإن أصاب هذا المال شيء سلم هذا المال ، والصرّة تجمع بهذا كلّه » « 6 » .
هامش
( 1 ) الطوسي ، تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 388 ، ح 1156 .
( 2 ) ابن الأثير ، النهاية في غريب الحديث والأثر ، دار المعرفة ، بيروت ، د . ت ، ج 3 ، ص 271 .
( 3 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 5 ، باب شراء العقارات وبيعها ، ح 8 .
( 4 ) الطوسي ، تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 326 ، ح 898 .
( 5 ) هذا ما يسمى في علم الاقتصاد محفظة استثمارية) oiloftroP (وهي ما يملكه شخص أو مؤسسة من أوراق مالية كالأسهم الممتازة والعادية والسندات ومن استثمارات عقارية وسلع ، الغرض منها تخفيض المخاطر من خلال تنويع الاستثمارات ( التاجي الفاروق ، قاموس مصطلحات المصارف والمال والاستثمار ، مكتبة لبنان د . ت ، ص 505 ) .
( 6 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 5 ، باب شراء العقارات ، ح 1 .