« وأنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد التي منها منافعهم وبها قوامهم وفيها بلغة جميع حوائجهم فحلال فعله وتعليمه والعمل به ، وفيه ، لنفسه أو غيره . . .
وما يكون منه وفيه الفساد محضا ، ولا يكون فيه ولا منه شيء من وجوه الصلاح ، فحرام تعليمه وتعلمه والعمل به وأخذ الأجر عليه وجميع التقلب فيه من جميع الحركات كلّها إلّا أن تكون صناعة قد تنصرف إلى بعض وجوه المنافع » « 1 » .
فيشير الإمام بهذا الكلام إلى أن الإنتاج في المجتمع الإسلامي لا بدّ أن يستند إلى أصول وهي :
1 - أصل الحاجة ( التي يحتاج إليها )
2 - أصل النفع ( التي منها منافعهم )
3 - أصل العمومية ( يحتاج إليها العباد . . . )
4 - أصل الاكتفاء الذاتي ( فيها بلغة جميع حوائجهم ) .
يرى أبو عبد اللّه أن الإنتاج يجب أن يكون بحسب الكمّ والكيف مقيّدا بالحدود التي تؤشرها هذه الأصول ، فهو يعتبر الحاجة إلى شيء ، هي السبب الأعمق في إيجاده ، كما يعتبر أن الانتفاع به ، المبرّر الرئيس لإنتاجه ، ولولا الحاجة إلى شيء والنفع منه ، لكان إنتاجه عبثا ، والسعي من أجله تضييعا للجهد والمال والوقت الإنساني الثمين .
وحينما يشير الإمام إلى القاعدة الأولى وهي الحاجة ، تخرج منها المنتجات غير الضرورية والتي قد يستغنى عنها ، كالبضائع الترفيهية والتجميلية الأرستقراطية ، والتي لا تقتصر آثارها السلبية على الحقل الاقتصادي فحسب ، بل تتعدّاها إلى القوام الأخلاقي والتربوي في المجتمع .
وعندما يؤكد على القاعدة الثانية وهي النفع الإنساني ، يخرج عن دائرتها كل الأشياء التي تضرّ الحياة البشرية التي يسمّيها القرآن بالخبائث ، إضافة إلى السلع غير النافعة والحاجات غير الضروريّة التي اصطنعها الإعلام في المجتمع ، والذي يزيّن للناس سبل اقتنائها بكل الطرق الخبيثة ، فيكبر عندهم الميل للاستهلاك ، ويصبحون مستهلكين من الطراز الأول .
أمّا القاعدة الثالثة وهي : العمومية ، فتؤكد على استجابة حاجات الجماهير وعامة الناس الذين عبّر الإمام عنهم بالعباد دون أي تخصيص حتى لا يقتصر الإنتاج على الأشياء الخاصة التي يتمتع بها المترفون ، وتصير سببا لرخاء فئة خاصة من الأغنياء ؛ لأنها تؤدي إلى نفي تقريب مستويات المعاش للجميع .
هامش
( 1 ) الحراني ، تحف العقول ، ص 335 .