حصوله ، فأجابه بأنه لا يدعو له بذلك ، بل عليه أن يأخذ بالأسباب ، فيكدّ ويسعى لكسب لقمة العيش ، ولا يكفي الاعتماد على الدعاء .
من هنا نفهم بأن الإمام يرغّب تلاميذه في طلب الرزق ، ويشجعهم على السعي لتأمين معيشتهم ، توجه بكلامه من خلال الأسباب الطبيعية لكسب الرزق في حين أنه لما نهى عن الحرص والطمع فيه توجه بكلامه إلى الوجه المقدر من الرزق ، أي ما قد يحصل عليه الإنسان دون سعي منه إليه .
وهكذا ، ومن خلال هذه النظرة الشاملة ، يربّي الإمام تلاميذه على اعتماد التوازن بأن لا يفرطوا في الطلب بالحرص والطمع ، مقابل عدم ترك السعي والطلب بحجة التقدير الإلهي في الرزق .
من هنا يصبح لزاما على المرء أن يكدّ ويجتهد لكسب معيشته ، وألا يترك أي سعي فيها ، على رغم اطمئنانه بتكفل اللّه عزّ وجلّ والتوكل عليه ، ويتبلور هذا في تعاليم الصادق حين قال : « لا تدع طلب الرزق من حلّه . . . واعقل راحلتك وتوكل » « 1 » .
كما أن الضوابط التي عني بها الصادق ذات العلاقة بسعي الإنسان لجلب الرزق وتحصيل المعاش قد تصل بالفرد إلى حد الاعتدال والاتزان ، فيقول في ذلك :
« وليكن طلبك المعيشة فوق كسب المضيّع ، دون طلب الحريص الراضي بالدنيا المطمئن إليها ، ولكن انزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف المتعفّف ترفع نفسك عن منزلة الواهي الضعيف تكتسب ما لا بد للمؤمن منه » « 2 » .
* ضرورة الوعي بمؤثرات الرزق :
كما ذكرنا سابقا ، فقد قام الإمام الصادق بتوضيح نظرة الإسلام الشاملة في طلب الرزق ، وبذل جهدا كبيرا في تربية الأمة وتنشئتها على الاعتدال والتوازن في هذا الصدد . ولم يقتصر الإمام في نشاطه على هذا الأمر فحسب ، بل إنه اهتم بتعليمهم وتذكيرهم بعض السنن الكونية المؤثرة في زيادة الرزق وتقليصه ، منطلقا دوما من كتاب اللّه والسّنّة النبوية الشريفة .
ولو تأملنا في النصوص الواردة عن أبي عبد اللّه نجد بأنه يؤمن بعلاقة وثيقة بين سلوك الإنسان ومستوى معيشته ، فأطلق في خطاباته الكثير مما يشير إلى هذا التأثير للمبادئ الأخلاقية والعبادية والاجتماعية على سعة الرزق أو الحرمان منه . وفيما يلي نشير إلى نماذج مما ورد عنه في هذا المجال :
هامش
( 1 ) المفيد ، الأمالي ، ص 172 .
( 2 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 100 ، ص 33 .