تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
تناقضا بين معطياته الفكرية المتعلقة بطلب المال وبين الرزق المقدّر من اللّه تبارك وتعالى ، ولكنّ الإمام نفسه يبيّن هذا التفاوت ويجمع بين الأمرين فيقول ما نصه ليزيل هذا الإشكال : « الرزق مقسوم ، على ضربين : أحدهما واصل إلى صاحبه وإن لم يطلبه ، والآخر معلّق بطلبه ، فالذي قسم للعبد على كل حال آتيه وإن لم يسع له ، والذي قسم له بالسعي فينبغي أن يلتمسه من وجوهه ، وهو ما أحلّه اللّه له دون غيره ، فإن طلبه من جهة الحرام فوجده حسب عليه برزقه وحوسب به » « 1 » . إذا فالنوع الأول من أنواع الرزق المقسوم هو ما قدّر من جانب اللّه تبارك وتعالى ، وهو ما يأتي الفرد دون سعيه وطلبه ، ورغم وجود الموانع يصل إلى صاحبه . وفي ضوء هذه النظرة ، يركّز الإمام في ذهنية تلاميذه بأنهم ليسوا مستقلين في كسب معيشتهم بل الرزق من اللّه ويتعلق بإرادته ، حيث يشير إلى أن الرزق قد يجري بغير حيلة ، كقوله : « إن اللّه تعالى وسّع في أرزاق الحمقاء ليعتبر العقلاء ، ويعلموا أن الدنيا ليس ينال ما فيها بعمل ولا حيلة « 2 » » . فقد تجد امرءا كيّسا فطنا من أكثر الناس فهما يفني عمره في طلب قليل من الرزق ولا يتيسّر له ذلك ، كما قد نرى أقلّ الخلق عقلا تنفتح عليه أبواب الرزق ، « ولو كان السبب جهد الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال ، فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيبا وأن الأجهل الأخس أوفر نصيبا ، علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام كما قال تعالى :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
« 3 » . أما النوع الثاني من أنواع الرزق فمرهون بالسعي والطلب ، وهو مضمون لطالبه والذي يجب أن يسعى للحصول عليه عبر مختلف الوسائل المشروعة ، وهذا ما بدا واضحا حينما قال رجل لأبي عبد اللّه : « ادع اللّه أن يرزقني في دعة فقال : لا أدعو لك ، أطلب كما أمرك اللّه عزّ وجلّ » « 4 » . لقد طلب هذا الرجل من الإمام الدعاء بالرزق مع العافية عن طلبه ، والراحة في
هامش
( 1 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 12 ص 29 . ( 2 ) الطوسي ، تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 323 . ( 3 ) سورة الزخرف ، جزء من الآية 32 ، فخر الدين الرازي ، مفاتيح الغيب ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط 3 ، 1420 ، ج 20 ، ص 243 . ( 4 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 5 ، باب الحث على الطلب ، ح 3 .
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق — صفحة 355 | حسناء ديالمة