« اللّهم إني أسألك حسن المعيشة ، معيشة أتقوّى بها على جميع حوائجي وأتوصّل بها في الحياة إلى آخرتي ، من غير أن تترفني فيها فأطغى ، أو تقتّر بها عليّ فأشقى ، أوسع عليّ من حلال رزقك . . . ثم لا تشغلني عن شكر نعمتك بإكثار منها تلهيني بهجته وتفتنّي زهرات زهوته ، ولا بإقلال عليّ منها يقصر لعملي كدّه ويملأ صدري بهمّه . . . » « 1 » .
ب - تصحيح المفاهيم الخاطئة في طلب المعاش :
* الرزق بين التقدير والطلب :
من أهمّ ما أولاه الصادق اهتمامه في المجال المعرفي هو ترسيخ النظرة الصحيحة في طلب الرزق وكسب المعيشة ؛ لأنّه يشكل نسبة كبيرة من النشاطات الاقتصادية للفرد .
ونظرا للأهمية المادية لهذا الأمر ، توهّم بعض المسلمين من بدء الرسالة بأنّ السعي في طلب الرزق يتعارض مع الاهتمام بالعبادات والحياة المعنوية للمسلم ، وتبعا لهذه النظرة الخاطئة ، أهملوا السعي في طلب الرزق وأقبلوا على العبادة والعزلة .
وكذلك جرى هذا الأمر في عصر الإمام الصادق أيضا ، فقام الإمام بإزالة هذا التصور الخاطئ وبيّن أنّه لا يجوز ترك العمل بحجة الانقطاع إلى العبادة مثل الصلاة والصوم ، فلمّا أخبروه عن رجل قال : « لأقعدنّ ولأصلينّ ، ولأصومنّ ولأعبدنّ اللّه ، فأما رزقي فيأتيني » . قال الإمام : « هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم » « 2 » .
فلا يجوز الإعراض عن العمل بدعوى التوكل على اللّه ، وانتظار الفرج والرزق منه سبحانه ، بل لا بد من السعي إليه ، وإلّا اعتبر هذا تواكلّا ، لا توكلّا ، فشتّان بينهما ، والتوكل لا ينافي العمل والأخذ بالأسباب ؛ لأنّ « الإسلام لا يريد من المسلم العزوف عن الحياة الدنيا وطيباتها فهو يأمر بعمارة الأرض واستخراج خيراتها ليكون المسلمون أهل العزّة والسيادة والقيادة » « 3 » .
وفي نصوص أخرى نجد الإمام يعمل على تغيير وجهة نظر الناس الخاطئة في هذا الصدد ، ليدركوا أن العمل عبادة يثاب عليها المرء وعندما سأل عن رجل ، فقيل له : أصابته الحاجة . قال : « فما يصنع اليوم ؟ » قيل : في البيت يعبد ربّه . قال : « فمن أين
هامش
( 1 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب الدعاء للرزق ، ح 13 .
( 2 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 116 .
( 3 ) محمد الدسوقي ، دعائم العقيدة في الإسلام ، كلية الدعوة الإسلامية ، طرابلس 1990 ، ص 182 .